فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 210

تعلم أحكام هذه العبادة ليوقعها على الوجه الذي يحبه الله -تبارك وتعالى- ويرضاه؛ لأن كل عبادة لا تكون على الوجه الذي يحبه الله -عز وجل- فهي رد على صاحبه.

يحتاج العبد في هذه العبادة -في الجهاد في سبيل الله- إلى هداية التوفيق والإلهام، أن يوفقه الله -تبارك وتعالى- إلى سلوك هذا الطريق الذي ضيعه كثير من الناس وفات كثيرًا من الخلق، يحتاج إلى هداية التثبيت على هذه العبادة، وهكذا شأن الدين كله، هكذا شأن العبادات كلها.

فالجهاد نعم نعمة عظيمة، لكن هذه النعمة لا تكتمل إلا بشرطيها؛ أولًا: بشرط الإخلاص؛ أن يكون الجهاد لله -تبارك وتعالى- وحده لا يريد به المهاجر ولا المجاهد ذكرًا بين الناس، لا يريد سمعةً ولا يريد جاهًا ولا سلطانًا، لا يريد إمرةً ولا علوًا في الأرض ولا فسادًا، ولا يمكن للجهاد أن يكون كذلك إلا بالشرط الثاني: وهو العلم، الشرط الأول هو الإخلاص؛ توحيد القصد أن يوحد اللهَ -تبارك وتعالى- في قصده بهذه العبادة لا يقصد إلا وجه الله -عز وجل-.

والثاني: العلم، وكل عبادة من العبادات خلت عن العلم فهي كالشجرة إذا خلت عن الماء خلت عن مادة الحياة، ماذا يحصل بها؟ تيبس ثم تذبل وتموت، هكذا كل عبادة من العبادات سواء كانت من العبادات الفردية أو كانت من العبادات الجماعية؛ لأن العلم هو مادة الحياة لجميع العبادات كما أن الماء مادة للكائن الحي أو للنبات كذلك العلم هو مادة الحياة لكل عبادة من العبادات، وسواء كانت هذه العبادة قاصرة النفع على صاحبها كالصلاة؛ فإن الصلاة نفعها قاصر على المصلي، وكذكر الله وتلاوة القرآن، أو كانت العبادة متعدية النفع إلى الغير كالجهاد في سبيل الله، بل هذه العبادة التي يتعدى نفعها إلى الغير هي أحوج إلى العلم من غيرها من العبادات، أحوج إلى الفقه في الدين وإلى العلم؛ لأن العبادة التي يتعدى نفعها إذا وقع فيها الخطأ والقصور وإذا قامت على ساق الجهل تعدى ضررها أيضًا كما أن نفعها يتعدى إلى الغير.

والجهاد نفعه متعدٍ إلى الغير؛ لأن في الجهاد إقامة التوحيد وإقامة الحق والعدل والخير، لأن في الجهاد إنصاف المظلومين، لأن في الجهاد رد المظالم والحقوق إلى أهلها وأصحابها، لأن في الجهاد تأمين الناس على أرواحهم وأعراضهم ودمائهم وأموالهم. فالجهاد نفعه يتعدى وكذلك في المقابل إذا قام الجهاد على سيقان الجهل فإنه يصير ظلمًا للعباد وقطعًا للطريق وإخافة للسبيل وتعديًا على الحرمات والأعراض والأموال والدماء والكرامات، وكل هذا يقع ويتم باسم الجهاد في سبيل الله أيضًا، وهذه من أعظم الطامات والمصائب!

ولذلك فاعلموا أن الحاجة إلى العلم في الجهاد في سبيل الله أشد من حاجة أحدكم إلى النَّفَس وإلى الطعام والشراب، أنت في حاجة له في كل لحظة، في كل فعل وفي كل عمل، ليس الجهاد وحده فحسب يحتاج إلى ذلك بل كل عبادة من العبادات تحتاج إلى هذا الذي أقول؛ إلى العلم، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ؛ والبصيرة لا تكون إلا بالعلم، والعلم موجود مبذول لمن بحث عنه وسأله وأسرع إليه واجتهد في طلبه.

ولا يجوز للمرء المسلم الذي يتقي اللهَ -تبارك وتعالى- ويخافه أن يُعرض عن تعلم أحكام ما فرضه الشارع عليه؛ لأن معرفة حكم ما فرضه الشارع عليك فرض أيضًا، كل ما فرضه الشارع عليك كالصلوات الخمس، كصيام رمضان، كالزكاة، كالحج للمستطيع، فتعلم أحكام هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت