منهم جميعًا-، فقلت فيما وقع أبياتًا أصف بها الحال، وهي قصيرة صغيرة، وأنا من قبل ما كنت أميل إلى كتابة الشعر إلا في المنظومات العلمية، كنت قد كتبت قصيدةً من نحو عشر سنين ردًا على رسالة من إحدى الإخوات المسلمات تستغيث فيها بأهل الإسلام، هذه هي القصيدة الوحيدة التي كنت كتبتها بغير أبواب النظم، لكن لما وقعت الأحداث كانت الأحداث دافعًا للكتابة، فقلت فيما جرى:
سارت ركائبنا تَرنَّم شاديةْ ... أيام إذْ عينُ الحقيقة باديةْ
تَسري وتحدوها النجوم الهاديةْ ... ورقيقُ أعطافِ النسيم الغاديةْ
والشمس تُضحك سهله أو واديهْ ... حتى عَدَت يومًا ذئاب عاديةْ
وتواثبوا والكلُّ يدعو ناديهْ ... ركبي فديتك والنفوس الفاديةْ
صمَتَ الشّجي وجفَّ حلق الحاديةْ ... وقف المسير وحار ركب الباديةْ
تصورت أن إخواننا هم في مسيرهم بمثابة القافلة التي تسير ثم خرجت عليهم هذه الذئاب العادية في يوم من الأيام، ثم بعد أيام يسيرة استدركت فقلت في بيان أن المحنة دائمًا وعادةً ما تكون سببًا لتمييز الحق من الباطل، فكتبت:
جزى اللهُ عنا الخطوب الفوادحْ
جَلَت فرقَ ما بين عذب ومالحْ
وكنا بقِطعٍ من الليل كالحْ
خِلاطًا سوانِحُنا والبوارحْ
تُسامي البُغاثُ الصقورَ الجوارحْ
فأورت بزندٍ من الحق قادحْ
وليس لتبرٍ كالنار ناصح
يزول جفاءً غثاءٌ وطالحْ
وتبقى على العهد أسدٌ تُنافح
ثم لما اشتدت الغربة أكثر اشتد الحنين إلى الديار التي عشنا في ربوعها ونحن صغار، وأنا في الحقيقة قديمًا كنت أقرأ في شعر الشعراء كيف يتشوقون إلى أوطانهم وبلادهم، لكننا في أوائل سنوات الهجرة ما شعرت حقيقةً بذلك الشوق وكنت أتعجب أقول: كيف يتشوَّق الشعراء وينشدون هذا في أشعارهم وأوطانهم؟! ولكن لما طالت الغربة وطال البعد عن الديار والأهل واشتدت المحنة، حينذلك وجدت نفسي تدفعني دفعًا إلى هذا من حيث لا أشعر، فكتبت قصيدةً كان ينبغي أن أكملها لكن فيها إن شاء الله جزء طيب سأقرأه عليكم، وضمّنت هذه القصيدة ذكر بعض الأبيات الحِكميّة؛ تعرفون ما معنى الحكمية؟ التي تتضمن الحِكَم، الإشارة إلى بعض المعاني والحكم التي تُقتبس وتؤخذ من الأحوال التي مررنا بها وتمر بها أمة الإسلام والمسلمين اليوم.
فأقول في هذه وقد أشرت فيها إلى الدار التي رَبينا فيها ونشأنا في ربوعها، أقول: