القصة الثانية؛ تعرفون أن كثيرًا من الصوفية وبعض من تأثر بهم يذهبون للقول بحياة الخضر-عليه السلام- وأن الخضر لازال حيًا، وبعضهم يُذكر في تراجمه أنه كان في شِعب من الشعاب أو في جبل من الجبال يعبد الله ولقي الخضر-عليه السلام-، وبعضهم يذكر أنه لقيه بمكة أو بعرفة أو بغير ذلك، والناس من طبعها أنها تبالغ في نقل هذه القصص وتزيد عليها. فمن اللطائف في هذا الباب أن أحد القضاة من العلماء في بلاد الهند في القرن الثامن الهجري يقال له: غلام الله -اسمه غلام الله لكنني نسيت تتمة الاسم-، وكان هذا القاضي ممن يقولون بحياة الخضر -والتحقيق أن الخضر قد مات-، فحدث في يوم من الأيام أن بعض العامة عرف هذا عن القاضي، فأراد هذا العامي أن يحتال على القاضي فذهب إليه وأخذ يحضر بعض مجالسه حتى استطاع في يوم من الأيام أن يذكر بطريقةٍ أو بأخرى أمام القاضي ويوهم القاضي أنه يعرف الطريق إلى الخضر، فما كان من القاضي إلا أن قام عن كرسيه وجثا على ركبتيه وقال له:"يا سيدي أسألك بالله إلا أوصلتني إليه"، وأخذ يترجى في هذا العامي، وأخذ العامي يتصنّع ويُظهر له أنه يستطيع ذلك، ثم قال له: كيف آخذك إليه وقد تركت أبنائي ورائي جياعًا! وهذا سفر يحتاج مني إلى وقت فقال له القاضي: يا سيدي اطلب ما أردت، فقال: أنت وذاك -يعني الذي يأتي منك فهذا طيب-، فما كان من القاضي إلا أن دفع له صُرّة فيها سبعمائة درهم، فأخذها الرجل ووعد القاضي وقال له: ألقاك في يوم كذا لآخذك إلى الخضر، وكان هذا القاضي قصير القامة وهذا الرجل العامي كان طويل القامة. فانصرف الرجل ودفع الصرة إلى أهل بيته ثم رجع إلى القاضي في اليوم الموعود، فقال له القاضي: ها تأخذني؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: الآن، فقال له العامي: فاتبعني. فأخذ العامي يمشي والقاضي وراءه فسلك به طريقًا حتى أتى شاطئ البحر، فبدأ العامي هذا يخوض الماء ويمشي والقاضي وراءه حتى خاض في الماء وبدأ الماء يكثر، الرجل العامي طويل والقاضي في الخلف بدأ الماء يصل إلى قرب أنفه، فوقف القاضي ولم يتحرك، فالتفت إليه العامي وقال: ما لك؟ قال: أين هو؟ قال: هذا هو الطريق، فقال له القاضي: لا أستطيع أن أكمل المسير، فقال له العامي: فاشهد على نفسك أني دللتك على الطريق وأنت الذي لم تكمل المسير، فقال له القاضي: نعم شهدت على نفسي بذلك، ثم رجع القاضي ورجع الرجل، وعلم القاضي أنها حيلة.
-سؤال من أحد الحضور: هل أحد من هذا الزمان يقول بحياة الخضر؟
-أجاب الشيخ: نعم كثير من الصوفية يقولون بحياة الخضر، وفي الحقيقة أن هذه من المسائل التي صدت كثيرًا من الناس عن العمل، والحديث في هذا يطول وإن شاء الله تعالى إذا سنحت فرصةٌ أخرى طويلة نتحدث في مثل هذه المسائل -إن شاء الله تعالى-.
بعض الإخوة طلب أن يسمع بعض الشعر أو بعض القصائد فلا بأس إن شاء الله.
لما وقع ما وقع للمسلمين في الإمارة الإسلامية في أفغانستان -ردها الله إلى المسلمين ردًا جميلًا-، واشتدت المحنة في ذلك الوقت، وكان الحال كما قيل: الصدمة الأولى دائمًا تحتاج إلى المزيد من الصبر، والحدث في أوله كان حقيقةً عظيمًا وشديدًا وثقيلًا على نفوس جميع الإخوان، وخاصة على إخوانكم المهاجرين الأوائل؛ الذين عاشوا في هذه البلاد المباركة سنوات طويلة وساروا فيها مسيرة طويلة من الدماء والدموع والعرق والبذل والتضحية -نسأل الله أن يتقبل