مشهورًا بالدعابة مع تلامذته في مجالس الدرس الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى- صاحب (التفسير) ، وكذلك الإمام الذهبي صاحب (سير أعلام النبلاء) الإمام الكبير المشهور، حتى قال ابن السُّبكيّ الذي هو صاحب (طبقات الشافعية) وكان تلميذًا للذهبي، قال:"كان والدي وأنا في الصغر يحثني على الذهاب إلى مجلس أبي الحجاج المِزّي"؛ الذي هو صاحب (تهذيب الكمال) وأبو الحجاج -رحمه الله - كانت له هيبة عظيمة بين تلامذته في الدرس، حتى أنه إذا جلس في المجلس لا يتكلم أحد من تلامذته بكلمة إلا بإذن الشيخ، وكان الذهبي يداعب طلابه ويمازحهم كثيرًا.
فقال ابن السُبكيّ:"وكان والدي يحرضني على الذهاب إلى مجالس المزي وكنت أحب أن أذهب إلى مجالس الذهبي."
قال: فكنت إذا رجعت من مجلس الحافظ أبي الحجاج فيسألني الوالد فيقول لي: من أين جئت؟
فأقول: جئت من مجلس أبي الحجاج.
فيقول: ها، ما شاء الله جئت من عند الشيخ.
فإذا رجعت من مجالس الذهبي يقول: من أين جئت؟
فأقول: من مجلس الذهبي، فيسكت.""
فالحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى - كان يذكر لتلامذته بعض هذه القصص، فمما نقله عنه السخاوي: أنه حكى لتلامذته أنه قصد يومًا من الأيام زيارة قرية من القرى، وكان في هذه القرية إمام للمسجد وخطيب للجمعة يأتمّ به الناس، فبعد أن استضافهم إمام القرية، قال للحافظ: يا شيخ والله لدي مسألة أريد أن أسألك عنها ولي مدة طويلة سنوات طويلة أبحث عمن أسأله فلم أجد، قال له: وما هي؟ قال: يا شيخ أرأيت قول الله -تبارك وتعالى-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ .. } الكلمه التي بعد"إيّاك"الثانية هل هي ستين أم تسعين؟ فكلمة"نستعين"صَحَّفها فقرأها ستين، وهو على شكٍ فيها هل هي ستين أم تسعين؟! قال: والله يعلم أنني منذ أن شككت فيها وأنا أقرأها تسعين احتياطًا.
وهذا من التصحيف الذي يقع كثيرًا وكان سببه قديمًا أن كثيرًا من الكتابات لم تكن مُعجمة؛ الكتابة في بداية الأمر لم تكن معجمة وإن كانت في هذا الزمن قد أعجمت. وله سبب آخر وهو عدم التلقي عن الشيوخ ولذلك العلماء-رحمهم الله تبارك وتعالى- صنفوا كتبًا مستقلة في هذا الباب ومنها (تصحيفات المحدثين) لأبي هلال العسكري صاحب كتاب (الصناعتين) ، فهذا من التصحيف الذي وقع في القرآن الكريم، ولذلك علماؤنا يقولون:"الأصل هو التلقي عن المشايخ"، ولذلك كانوا يقولون أيضًا:"إيّاك وأخذ العلم عن الصُّحفيّ"؛ الصحفيّ هو الذي يتلقى علمه عن الصحف، وتسمع عن هذه التصحيفات العجب العجاب! ومن أشهرها أن بعض الخلفاء كتب إلى والٍ له يقول له:"أحصِ مَنْ قِبَلك من الخدم"، فأخطأ الكاتب ووضع نقطة فوق حرف الحاء، فصارت ماذا؟ صارت"أخصِ من قبلك من الخدم"، وكان عنده أربعة آلاف خادم، فما كان من هذا الوالي إلا أن جمع هؤلاء الخدم وخصاهم جميعًا، وهذا من أعجب التصحيفات! وهكذا التصحيفات كثيرًا ما توقع في بلايا عظام.