فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 210

ولكن المؤمن مرآة أخيه، وسلفنا-رحمهم الله تعالى- كانوا يقولون:"حضانة العلم عشرون، وحضانة الأخلاق أربعون".

ولأن الإنسان يحتاج دائمًا أن يتابع نفسه وأن يراعيها في هذا الجانب؛ في جانب مراعاة الأدب في كل شأن من شؤون حياته، حتى إن علماءنا-رحمهم الله تعالى- صنفوا في هذا أبوابًا مستقلة وكتبًا مستقلة في (صحيح البخاري) ترى كتاب الأدب، وصنف علمائنا كتبًا مستقلة في هذا ومن أهمها وأشهرها: (كتاب الآداب الشرعية والمنح المرعية) في مجلدات ثلاث لابن مفلح الحنبلي-رحمه الله تعالى-.

والمسلم ينبغي عليه أن يراعي الأدب في جِدّه وهزله، ومن الآداب التي ينبغي أن يراعيها المسلم وهي هدي النبي - صلى الله عليه وسلم: اجتناب الضحك بصوت مرتفع؛ وإنما كان ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تبسمًا، وبعض علمائنا -رحمهم الله- يعد الإغراق في الضحك بصورة القهقهة إذا تكرّر من الرجل جَرحًا في مروءة الرجل، فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه إذا قهقه مال على صاحبه وصفق يده بيد صاحبه؟! هذا لا ينبغي؛ ولأن هذا يصبح حين ذلك من التشبه -عافانا الله وإيّاكم - بأفعال الفساق.

والغزالي -رحمه الله- سُئل عمن يتناول كأس الماء ثم يصفقه بكأس صاحبه، فقال:"هذا حرام لا يجوز"؛ لأنه من التشبه بأفعال الفساق في مجالس الخمر. فالمراعاة لهذا وأن يلتزم المسلم حتى في مثل هذه الجلسات التي فيها الترويح عن القلب والنفس بالأدب المشروع، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمازح أصحابه، ولكن المزاح لابد يكون دائمًا في حدودٍ منضبطة، التي حدها الشارع الكريم - صلى الله عليه وسلم -. ويلحق بهذا كذلك الصياح ورفع الأصوات فليس هذا مما ينبغي، وقد قال الله- تبارك وتعالى-على لسان لقمان يعظ ابنه قال: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} والله -عز وجل- سمى ذلك حكمة.

وكما قلت فإن ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تبسمًا، ما كان يقهقه أبدًا، هذه القهقهة ورفع الصوت هذا مذموم مكروه.

ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يوفقنا وإيّاكم لما يحب ويرضى، وأن يُحلّينا جميعًا بأدب الإسلام وخُلق الإسلام.

أريد أن أذكر لكم قصتين فيهما مُلحة وفيهما فائدة كذلك.

القصة الأولى: حكاها الحافظ بن حجر -رحمه الله تعالى- وذكرها عنه تلميذه السخاوي في الكتاب الذي صنفه في ترجمة شيخه واسمه (التقاط الدُّرر في ترجمة الحافظ ابن حجر) ؛ ابن حجر العسقلاني صاحب (الفتح) هو شيخ السخاوي، و (التقاط الدرر) هذا كتاب في ثلاث مجلدات فيه فوائد عظيمة في ترجمة الحافظ ونقل عنه كثيرًا من الفوائد.

ذكر أن الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى- كان مرحًا مع تلامذته في مجالس الدرس مما يجعل التلامذة يحبونه، وهكذا كانت عادةُ الكثيرين من العلماء يميلون إلى الدعابة والطرفة مع التلامذة؛ لأن هذا مما ينشط الأذهان ويعين الطلاب على طول الدرس أحيانًا، وممن كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت