و الحَيْطَةُ والحذَرُ واجبانِ في هذا الْمَوْطِنِ؛ فإنَّ للشيطانِ فيهِ من المَدَاخِلِ والمَرَاصِدِ ما يَلِبِّسُ بِهِ على كثيرٍ من العلماءِ والصالحين؛ فضلًا عن العامَّةِ من المسلمين؛ وبحثُهُ والكلامُ عليهِ في محَلٍّ آخرَ إن شاءَ الله.
ثالثًا: التمسُّكُ بما تَرَكَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلمَ عليهِ أمَّته من الهَدْي؛ والحذرُ مِن الأهواءِ والفِتَنِ المُضِلَّةِ التي تأخذُ بالمرءِ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال، ولِزَمانِنَا وأَهلِ زَماننا منها النصيبُ الأوفَى!!؛ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.
وإنما تَحْصُلُ العِصْمَةُ ويَتِمُّ ذلك للعبدِ بالعِلْمِ الذي بهِ صلاحُ العَمل، فَمَنْ وُفِّقَ لِطَلبِهِ وأُعينَ عليهِ فذاك؛ وإلا فقد أرْشَدَهُ الله تعالى بقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ؛ وقدْ ذكرَ الشاطِبيُّ رحمَهُ الله في الاعْتِصامِ (1/ 478) خَمسَةَ أقوالٍ في الجَماعَةِ التي أٌمِرَ المُسْلِمُ بالاعْتِصامِ بِها؛ القولُ الثاني منها: جماعَةُ أئِمَّةِ العُلَماءِ المُجتهدين.
وفي كَشاف الزمخشريِّ عند قولِهِ تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} : قالوا: كذلك ينْبَغي أن يَكونَ الناسُ معَ أئمَّتِهم ومُقَدَّميهم في الدينِ والعِلْمِ يُظاهِرُونَهم ولا يخذلُونَهم في نازلةٍ من النوازِل؛ ولا يتفرّقون عنهم. انتهى.
وقال ربُّنا تبارك وتعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} ؛ قال أبو شَامَةَ في مُخْتَصَرِ المؤَمَّل: فضمنَ الهدايَةَ سبحانَهُ في طاعَةِ رَسُولِهِ؛ ولَم يَضْمَنْها في طاعَةِ غَيْرِه. انتَهى.
أقول: صدقَ رَحِمَهُ الله؛ غَيْرَ أنّ من حُرِمَ التوفِيقَ؛ استدْبَرَ الطريقَ!؛ نسألُ الله السلامةَ والعافية.
رابِعًا: أنْ يَضْطَلِعَ المسلمُ بما كَلَّفَهُ الله تعالى بهِ في هذه الدنيا مِنَ العَمَلِ على إقامةِ دينه وشَرْعه؛ والحَذرَ الحذرَ من الفَصْلِ في السعْيِ في هذه الحَياةِ بين مَصالِحِ الدنيا ومَصالِحِ الآخِرةِ؛ فلَيْسَتْ العبادَةُ هِيَ الصلاةَ والصومَ والذِّكرَ فحَسْبُ، بل كلُّ سَعْيٍ يُرادُ به التمكينُ لدينِ الله؛ وكلُّ علم نافِعٍ تَكونُ به الغلَبَةُ لأهلِ الإسلام فتَحْصِيلُهُ على أهلِ الإسلامِ من فُرُوضِ الكفايات؛ كما صرّح بذلك الغزاليُّ وغيرُهُ من العلماءِ رحمهم الله.
وفي المجلَّدِ الخامسِ من الفتاوي الكُبرَى لابنِ تَيْمِيَةَ رحمه الله أَنَّ تعَلُّمَ العلْمِ وتَعْليمَهُ يَدْخُلُ بعْضُهُ في الجهادِ في سبيلِ الله؛ وأنه من أنواعِ الجهادِ من جِهَةِ أنه من فُرُوضِ الكفايات.