فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 210

أوَّلًا: في تَوْحيدِ الله تعالَى؛ وإفرادِهِ تعالى بالعبودِيَّةِ وحدَهُ لا شريكَ له؛ فلا يَدْعوا إلا الله؛ ولا يَتَوَكَّلُ إلا على الله؛ ولا يرْجُوا ولا يَخافُ أحدًا إلا الله؛ فإنَّ الآجالَ بِيَدِهِ والأرزاقَ بيدِهِ سُبْحانَهُ؛ ولُزُومُهُ سَبيلَ الحقِّ لا يُقَرِّبُهُ من أَجَلٍ ولا يُباعِدُهُ من رِزْقٍ، كما قالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وقد صحّ أن النبيَّ صلى الله عليهِ وسلّمَ كانَ يقْرَأُ بِها فِي استفتاحِ الصلاةِ؛ ورُوِيَ أنه قرأَ بِها يوم عَرَفَةَ؛ ويَومَ الأضحَى على الذبيحَةِ؛ وهما ضعيفان.

ومِنْ تَوحيدِ الله تعالَى أنْ يُسَلِّمَ العَبْدُ لأمْرِهِ؛ ويَتَحاكَمَ إلى شَرْعِهِ؛ فلا يَحْتَكِمُ إلىٍٍ شَرْعٍ موضوع؛ ولا قانونٍ مختلقٍ مصنوع؛ ولا عُرْفِ قَبِيلَةٍ؛ ولا عَادَةِ أهلِ بادِيَةٍ؛ ولا إلى ما نَشَأَ عليهِ وألِفَهُ؛ فكلُّ ذلكَ من الهوى الذي يَصدُّ عن دينِ الله تعالى؛ نسألُ الله السلامَةَ والعافِيَةَ، وإنما صارَ حالُ المسلمينَ إلى ما صارَ إليهِ لَمَّا ابْتُلُوا بالإعراضِ عن دينِ الله وشرْعِهِ إلى شرائعِ اليهودِ والنصارى وغَيرِها من الشرائعِ الوَضْعِيَّةِ الأَرْضِيَّةِ، فصارُوا بعد العِزِّ إلى ذُل؛ وبَعْدَ الكَرامَةِ إلى هوانٍ؛ وللهِ الأمْرُ من قَبلُ ومِنْ بِعدُ.

واعلَمْ أنَّ توحيدَ العبد لرَبِّهِ وخالِقِهِ فيه طُمَأنينَةُ النفْسِ ورَاحَةُ البال؛ كما أنَّ فيهِ من الأسرارِ تَعْويدَ العبدِ عُلُوَّ الهمَّةِ والاعْتِمادَ بعدَ الله تعالى على النفسِ في تَحْصيلِ مصالِحِ الدنيا والآخرَةِ، ولو تأّمَّلْتَ في حالِ مَنْ أَخلَّ بِهذا الأصْلِ الذي هو أمُّ الأصُولِ كلِّها رأيتَ فيهِ من العجْزِ والكسلِ والتواكُلِ بقَدْرِ ما أخلَّ منه وخَدشَ من صفائه.

ثانيًا: أن يَكونَ ولاءُ المؤمِنِ للهِ ولرسوله والمؤمنين؛ لا يُحِبُّ إلا لله؛ ولا يُبْغِضُ إلا لله؛ فلا يَعْقِدُ الولاءَ لِحِزْبٍ ولا طائِفَةٍ؛ ولا تاخذُهُ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ في نَصْرَةِ قومٍ ولا لُغَةٍ؛ ولا شيخٍ ولا مَذهب؛ وذلك أوثقُ عُرى الإيمان، كما أنّهُ من أَعْظم أسبابِ اجتماعِ كَلِمَةِ المسلمين؛ فإنهم مأمورونَ أن يكُونوا كالبُنْيانِ المرْصوصِ يشدُّ بعضه بعْضا ولا يكون ذلك إلا بما ذكرْناه.

وقَدْ طالَعْنا تواريخَ المسلمين؛ فما رأَيْنا شيئًا كانَ أَضرَّ عليهم بعدَ الشرْكِ بالله تعالى من نقضِ هذا الأصْلِ وهدم هذا الصَّرح، حتى كانَ من أَخْطرِ الثغورِ التي نَفِذَ منها عدوُّ الدين على مَرِّ التاريخِ لتَمْزيقِ شملِ الأُمَّةِ وتَفْتِيتِ وِحدَتِها.

وفي تفسير القُرْطُبي (3/ 64) : صحبةُ المشركين ومُعاشَرَتُهم تُوجِبُ الانحِطاطَ في كَثِيرٍ من هواهم. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت