وهو منْ بعدُ يَسْعى في الكشفِ عما أودَعَهُ الله في هذا الكوْنِ من المنافِعِ وأسْرارِها؛ وإزَاحَةِ الحُجُبِ عن نَوَامِيسِها:
فعرفَ البَرَّ وجبالَهُ؛ وهضابَهُ و وِهَادَهُ؛ وما فيه مِنْ حيٍّ ونَباتٍ وجَماد؛ وما فيهِ من غازٍ وصُلبٍ وسائل؛ وميَّزَ بين مراتِبِ الانتِفاعِ بذلك كلِّهِ، كما صَنعَ في النباتِ فعرفَ ما يَصلحُ منه للإنسانِ وما يصلحُ للحيوان؛ وفرَّقَ بين الغذاءِ منه والدواء، كما عَرفَ ما لا يصلح لشيء من ذلك؛ وإنّما هوَ للأثاثِ والبِنَاء.
وهكذا شأنُهُ مع البحرِ!؛ استخرجَ منه المطعومَ والملبوس؛ كما كشفَ عن ناموسِهِ وقانونِ تسخيرهِ؛ فأجْرَى فيه الفُلْكَ في البحرِ كالأعْلامِ تَجْرِي بِقُدْرَةِ الله تعالى.
ثمَّ انظرْ إلى المُجْتَمَعِ الإنسانِيِّ يومَ كانَ في مَهْدِ وجُودِهِ على الأرضِ؛ حينَ أسكََنَهُ الله تعالَى الأرضَ وسخَّرها له؛ كيفَ كانَ شأنُهُ إذا ذاكَ شأنَ الوليدِ في حجرِ والديْهِ؛ يُولَدُ وهو لا يَعلم شيئًا؛ وقدْ جعلَ الله تعالى له السمعَ والبَصَرَ والفُؤادَ؛ وهي آلاتُ العِلْمِ؛ فلا تزالُ تحصُلُ له المعرِفَةُ بِواسِطَتِها شَيئًا بعدَ شيءٍ؛ كلٌّ على قَدْرِ سَعْيِهِ وعِنايَةِ والِدَيْهِ بهِ.
وهكذا المجتمعُ الإنسانِيُّ في جُمْلَتِهِ؛ لا يَزَالُ يَرتَقِي فِي سعْيِهِ في البحثِ عن نِعَمِ الله وآلائِهِ وما أوْدَعَ الله فِيها من النوامِيسِ والأسرارِ دَرَجَةً بعدَ دَرَجَةٍ؛ يَتَنافَسُ في ذلكَ الأفرادُ كما تَتَنَافَسُ فيه الأُمم والدول!؛ حِكْمةٌ بالغَةٌ!؛ لِيَبْقَى المُحَرِّضُ الكامِنُ وراءَ السَّعْيِ في الحياةِ ناهِضًا، ولِيَعْلَمَ الله من يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بالغَيْبِ إن الله لَقَوِيٌّ عَزيز.
فَتَفَكَّرْ فيما ذكرْناهُ لكَ من نِعَمِ الله عليكَ، في نَفْسِكَ أوَّلًا؛ ثمَّ فيما سَخَّرهُ لكَ ثانِيًا، واعْلَمْ أنَّ القاعِدَةَ قد اطَّرَدَتْ بأَنَّ مَنْ أَحْكَمَ صُنْعَ شَيءٍ وأتْقَنَهُ وتَأَنَّقَ في عَمَلِهِ فإنَّما يُرِيدُ بقاءَهُ ودَوَامَه؛ ولوْ أنَّهُ صَنَعَ ذلك لحاجَةٍ عارِضةٍ تزُولُ سريعًا وتنْقَضِي لَكان مُخَالِفًا لما تَقْتَضِيهِ الحكْمَةُ!؛ فكيفَ بِصُنْعِ الله الذي أتْقَنَ كلَّ شيءٍ؟!!.
وهكذا الإنسانُ؛ إنَّما خُلِقَ ليَبْقَى في نِهايَةِ أَمْرِهِ إمّا في الجنَّةِ دارِ السُّعداء جعلنا الله من أَهْلِها؛ وإما في النارِ دارِ الأشْقِياءِ أعاذَنا الله مِنْها.
وإنما الحياةُ دارُ التَّزَوُّدِ للآخَرَةِ؛ ومَثَلُ المسلِمِ فيها كمَثَلِ النَّمْلِةِ تَجْمَعُ في الصَّيفِ للشتاءِ؛ وهو يَجْمَعُ في الدَّنيا للآخِرَةِ.
وسبيلُ النجاةِ والفِكَاكِ: