فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 210

فَلأجْلِ التوحيدِ بَعثَ الله عز وجلَّ الرسلَ؛ وأنزلَ الكتب؛ وشَرَعَ الشرائع؛ ولأَجْلِهِ أمرَ بالجهادِ في سبيلِ الله؛ ولأجْلِهِ انقسمَ الخلقُ إلى المؤمنين والكفار؛ ولأجْلِهِ قامَ سوقُ الجنَّةِ والنار؛ ولأجْلِهِ خلقَ الله الموتَ والحياة؛ ولأجلِهِ يُبْعَثُ الخلقُ بعد الممات؛ ولأجْلِهِ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين؛ وعليه قبلَ غيره يُحَاسَبُون؛ ولأجْلِهِ يُضْرَبُ الصراطُ بين ظَهْرانَي جَهَنَّم؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ؛ وناجٍ مَخْدُوشٌ؛ وهاوٍ مُكَرْدسٌ في نارِ جَهَنَّمَ؛ أَعاذنا الله منها.

فلْيَتَدَبَّرِ العاقِلُ؛ ولْيَعَتَبِرِ الغافِلُ؛ ما خَلَقَهُ الله في هذه الدّنيا عَبَثًا؛ وإنَّهُ لخَطْبٌ جَلل؛ وإنَّ حياةً تَنْتَهي بالموتِ لَقصيرَةٌ وإن طالتْ!؛ فتَأمَّل يا عبد الله:

خَلَقَكَ الله تعالى فِي أَحْسنِ تَقويم؛ وسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ؛ أوْجَدَكَ بَعد أن كنت عدمًا مِن ماءٍ مَهين؛ وأَودَعَ فيكَ مِن عَجَائبِ الخَلْقِ وبَدائعِ الصنع ما يُحَيِّرُ الألْباب؛ كَنْتَ في رَحِم أمكَ نُطْفَةً فعَلَقَةً فَمُضْغَةً؛ لا فُؤادَ لها ولا سَمْعَ ولا بَصرَ؛ وكلُّ مادَّةٍ منها من جِنْسٍ واحد؛ فالنطفةُ من الماء؛ والعلقة من الدم؛ والمضغةُ من اللحم، ثم يخلقُ الله المضغةَ عظاما؛ ثم يكسو العظام لحما؛ ويشقُّ سَمْعَهُ وبصرَه؛ فترى المادَّةَ الواحدَةَ تستحيلُ إلى أجزاء مختلفة؛ يَستقلُّ كلٌّ منها عَن الآخر بِوصفٍ يُنَاسبُ ما هو له؛ فانظر إلى مادة العظامِ وكيف كانت صُلبةً لما كانتْ لحملِ الجسد وقُوَّتِهِ وتَحَمُّلِهِ؛ ودونَها في الصلابَةِ الغضاريفُ التي جُعِلَتْ في المفاصِل؛ إذ الغَرَضُ منها تيسيرُ أشكالِ الحركةِ التي بِها قِوَامُ حياةِ الإنسان؛ ولو كانت كالعظام في الصلابةِ مَنعته من ذلك!.

وانظرْ إلى مادةِ الظفر في اليدين والقدمين؛ كيفَ كان قِوَامُهُمَا يَتَّفقُ معَ ما وُجِدَا لُهُ مِن أنواع التصَرُّفاتِ باليدين كالقبضِ والبسطِ؛ والمشي بالقدمين؛ ولو كانتْ الأظفارُ من العظامِ تَعَذّرَ الانتفاعُ بِها؛ وكذا لو كانت من اللحم لضَعُفَتْ عن المطلوبِ مِنها.

ثم أمعِنِ النظرَ في مادَّةِ العينِ؛ وكيفَ كانَ جِرْمُها مِن مادَّةٍ شحْمِيَّةٍ هي الغايةُ في اللطافَةِ التِي تخدم مقصود الإِبْصار؛ وكيفَ جُعِلَتْ في محاجِرَ لِحِفْظِها؛ وأُحيطَ كلٌّ مِنها بَجَفْنَينِ مِن أعلاها وأسْفَلِها يَنْطَبِقانِ المرةَ بعدَ الأخرى لتَنْظِيفِها مما يعرض لها من الغبارِ والقذى؛ فَتَبْقى آلةُ الرؤيةِ صافيةً نقِيَّةً؛ ويبقى المرْئيُّ واضِحًا بَينًا؛ وإنما كان انطِباقهما مدة من الزمنِ يسيرةً ليتناسبَ مع عملها؛ لأنه لو طال كان مانِعًا من الرؤْيَةِ؛ ولو لم ينطَبِقا البَتّةَ ضَعُفَ الإبصارُ لما يُصيبُ العين من ترابٍ ونحوِهِ، وجُعِلَ الدمع في العينِ لِيُسهِّلَ انطباقَ الأجْفانِ و ليقوم مقام الأُشنان والصابون لها، وجُعِلَ على كلِّ شُفْرٍ من أشفارِ العينِ أهدابٌ وهي الشعرُ النابِتُ عليها للغرضِ نفْسِهِ؛ ولتكون كالشبكةِ يُرى من خِلالِها ولا تمنعُ الرؤيةَ إن احتِيجَ إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت