فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 210

وتأملْ بعد ذلك في خَلْقِ مادّةِ الشَّعْرِ وكيفَ كانت تختلفُ عن ذلك كلِّهِ لما يُرادُ بِها من الزينةِ الظاهرةِ وغير ذلك من المنافع.

وتأمل في خلْقِ العروقِ والدم؛ والجلدِ واللحم والعصب؛ وكيف كان كلٌّ منها يُلائِمُ وظيفتَها والهدَفَ مِنْها؛ وأصْلُ ذلك كلِّهِ شيءٌ واحد!.

وتأمل كيفَ جُعِلَ لكلِّ شيءٍ منها لون يُناسِبُهُ؛ فلا الشعر له لون الدم؛ ولا الدم له لون الشعر ولا الجلد؛ وقد قيل: إن الحكمةَ في خلْقِ الدم أحمرَ اللونِ أن لون الحمرةِ لهُ سَلْطَنَةٌ وقوةٌ؛ ومن ثَمَّ كانَ الدم في بَدنِ الإنسانِ من مُبْتَدأ كونه نطفةً إلى آخرِ عمُرِهِ غالِبًا عليهِ تَهْييجُ الشهوةِ ونشاطُ الخاطر.

وتأمَّلْ بعْدَ ذلك في خلقِ قامَةِ الإنسانِ؛ وكيفَ جاءتْ مُنْتَصِبَةً قائمَةً على خِلافِ غيرِهِ من الحيوانِ؛ وذلك والله أعلمُ لِما أرادهُ الله تعالى مِنْ كرامَتِهِ؛ ولِيكونَ مُمَيِّزًا له عن غيرهِ من الحيِّ الذي لا يَعقِلُ ولا يَنْطِق؛ ولِتَكونَ هِمَّتُهُ عَلِيَّةً آفاقِيَّةً يَتَحَقَّقُ بِها المقصودُ من استخلافِهِ في الحياة. وهذا أحسَنُ من التعْليلِ الذي ذكرهُ أبو حيانَ عليَّ بنُ محمدٍ التوحيديُّ في كتابِ الهوامِلِ والشَّوَامِل، وغيرهُ من الفلاسِفَةِ في كُتُبِهِم؛ والله أعلم.

ومن وراء ذلك كلِّهِ صُنْعُ الله تعالى في النَّفْس البشريَّةِ وكيفَ أودعَ فيها من الأسرارِ ما لا يَعْلمُهُ إلا هو سبحانه!.

فَتَأمَّل كيفَ جعلَ فيها ثلاثَ قُوَىً:

القُّوَّةَ العاقِلَةَ؛ وهي أعلاها؛ ومحلها الدماغ.

والقوة الغضَبِيَّةَ؛ وهي أوسطُها؛ ومحلُّها القلب.

والقوةَ الشهوانية؛ وهي أدناها؛ ومَحَلُّها البطنُ والفرج.

وتَأمَّل كيفَ كانت الأولى أعلاهُنَّ وأشْرَفَهن؛ إذ بِها يتميزُ الإنسانُ عن سائرِ مخلوقاتِ الله تعالى؛ وهِي مَحلُّ التكليف!، وكيفَ جَعلَ لها القدرةَ سبحانَهُ على التفكرِ في خلْقِ السماواتِ والأرضِ؛ والسباحةِ في ملكوتِهما؛ واستيعابِ ما يردُ عليها من أنواع العلومِ والمعارفِ والأفكار، حتى قَرأتُ في بعضِ المواضِعِ عن بعضِ الأطِبَّاءِ المعاصِرِينَ أن عَقْلَ الإنسانِ يَسْتَوعِبُ تِسْعِينَ ألفَ ألْفِ سِجِلٍّ من المعلوماتِ!!. فَتبارك الله أحسنُ الخالِقين.

وأما القوّةُ الثانِيةُ وهِي الغَضَبِيَّةُ؛ فالمرادُ بها ما يَعْرِضُ للقلبِ والنفسِ من الأحوالِ المخْتَلِفَةِ والعوارضِ الوصْفِيَّةِ الحسنِ منها والقبيح، كالْحُبِّ والكُرْهِ؛ والصبرِ والضجَر؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت