فالأول: تعريفُ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ كما أُشِيرَ إليهِ بِصَدْرِهَا؛ يَعْنِي تَعريفَ العبدِ بخالِقِهِ؛ كما أُشيرَ إليه في صدْرِ سورَةِ الفاتِحَةِ؛ وقد تَضَمَّنَ إثباتَ توحيدِ الألوهيَّة وتوحيدِ الربوبِيَّةِ وتوحيدِ الأسْماءِ والصِّفات.
والثانِي: تعريفُ الصراطِ المستقيمِ، وقد صرَّح به فيها، وهو صراطُ المُنْعَمِ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
والثالثُ: تعريفُ الحالِ عندَ الرجوعِ إليه تعالى؛ وهو الآخرةُ؛ كما أشير إليه ب: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .
والرابعُ: تعريفُ أَحْوال الْمُطِيعِينَ؛ كما أُشِيرَ إليه بقوله: {الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} .
والخامسُ: حكايةُ أقوالِ الجاحدين؛ وقد أُشيرَ إليها ب {المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} ؛ وكل من عرفَ طريقَ الحقِّ ثم نَكَبَ عنه وخالَفَهُ فهو من المَغضوبِ عليهم، وأما الضالُّون فلم يَهْتَدُوا إلى الحقِّ أصْلا.
والسادِسُ: تعريفُ منازلِ الطريقِ؛ كما أُشِير إليه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . انتهى.
ثُمَّ المقصدُ الأعظَمُ الجامِعُ لِكُلِّ هذه المقاصِدِ هو توحيدُ الله تعالى؛ كما قال أبو حامدٍ الغزاليُّ في جواهِرِ القُرْآن: سِرُّ القُرْآنِ ولُبَابُهُ الأَصْفَى ومَقْصَدُهُ الأَقْصَى دعوةُ العبادِ إلَى الجبّارِ الأَعْلَى؛ رَبِّ الآخرَةِ والأُولَى؛ خالقِ السَّماواتِ العُلُى و الأَرَضِينَ السُّفْلَى؛ وما بَيْنَهُمَا وما تَحْتَ الثَّرَى. انتهى.
وذلك هو حقُّ الله تعالى؛ الذي لأجلِهِ خلقَ الخلقَ؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ؛ أيْ لِيُوَحِّدُون؛ فهذا بيانٌ للغايَةِ التي لأجْلِها خُلِقَ الخلْقُ، لا يقال فالكافِرُ لا يَعْبُدُ الله!؛ لأنَّهُ مَامورٌ بذلِكَ وإن لم يَعْبُدْهُ؛ والغايَةُ لا يلزم وُجُودُها؛ كما لو قُلْتَ: بَرَيْتُ القَلَمَ لأكْتُبَ بِهِ؛ وقَد لا تكتبُ به!.
ومِن أبوابِ البُخاريِّ في الصحِيح: بابُ ما جاءَ في دُعاءِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلّم إلى تَوْحيدِ الله تبارَك وتعالى. بلْ هو دعوةُ جَميعِ الأنبياء والمرسلين؛ صلواتُ الله وسَلامُهُ عليهم أجمعين.