وهكذا العبد في هذه الدنيا؛ لا خلاص له إلا بِلُزُومِ هُدى الله تعالى؛ وامتثالِ أوامِره واجتنابِ نواهيه؛ ولذا كانت حاجةُ العبد إلى هدايَةِ الله تعالى أعظمَ مِن حاجتِهِ إلى الطعامِ والشراب؛ فإنه يكفيه مِنه في يومهِ وليلتِهِ المرَّةُ والمرتان؛ وهو لا غنىً له عن هدايَةِ الله تعالى وتوفيقه طَرْفَةَ عين؛ ولذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
ثم أنواع الهداية التي لا يستغني العبد عنها ثلاثة:
هدايةُ البيانِ والدَّلالة؛ ومعناها: بيان طريق النجاة والفلاح للعبد؛ كما قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ؛ أي: بينّا له طريقَ الخيرِ والشر. وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ؛ أي: بينا له في حالِ شكرهِ أو كُفْرِهِ طريقَ الهدى بما أرسلناه من الرسل وأنزلناه من الكتب.
والثانِيةُ: هِدايَةُ التوفيقِ والإلْهام؛ وهي: تَوفيقُ الله لِعَبْدِهِ وعونُهُ له على لزومِ الحقِّ بعْدَ أنْ عَرَفَهُ؛ لا كَحَال من يعرفُ الهدى ثم يُعْرِضُ عنه؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} ؛ فالذين اهتدَوْا هم المُؤمِنُون؛ زادَهمْ الله هدىً؛ وألْهَمَهُمْ مِن أنواعِ الطاعاتِ والقُرُباتِ ما يَرْضى الله بِهِ عنهم؛ وما يَتَّقُونَ بهِ سخطه وعذابَه.
والثالثة: هدايةُ الثباتِ حتى الممات؛ وقد كان أكثرُ دعاءِ النبي صلى الله عليه وسلم كما روي الإمام أحمدُ في المسندِ وغيرُهُ من الأئمة رحمهم الله عن أنس بن مالك وعن أبي هريرة وعن عائشةَ وأمِّ سلمةَ أمهاتِ المؤمين رضيَ الله عنهم أجمعين: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) . وفي التنزيلِ مِنْ دُعَاءِ المؤمنينَ قولُهُ تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} .
وهذا مِنَ الدُّعاءِ الذي يَنْبَغِي أَن يلْزَمَهُ المسلِم في زماننا هذا خاصَّةً؛ لِكَثرةِ الفِتَنِ والشرور؛ واختلافِ الأهواءِ؛ وطُغْيانِ الشهوات؛ بلْ صارتْ الدنيا تُطْلَبُ بِعملِ الآخرَةِ؛ ولا عاصِمَ مِن أمرِ الله إلا من رحم؛ ولا حول ولا قوّةَ إلا بالله.
واعلم أن العلماء رحمهم الله قد ذكروا جُمْلةَ مقاصدِ القرآن؛ ولهم في ذلك طرقٌ كثيرة؛ منها ما حكاه السيوطي في الإتقانِ عنِ الغزاليِّ رحمه الله أنه قال:
مقاصدُ القرآنِ ستةٌ: ثلاثَةٌ مُهِمَّةٌ، وثلاثةٌ مُتِمَّةٌ.