قُلتُ: والظاهر من الآية أنّ الخلاف في أمر الاستثناء وارد على الذلّة، أمّا المسكنة وهي كما قال ابن عطيّة رحمه الله (10) « ... التذلّل والضَّعَة، وهي حالة الطواف للمتلمّس للّقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفّف والتعزّز به، فليس أحد من اليهود -وإن كان غنيًّا- إلاّ وهو بهذه الحالة» .
فالظاهر أنها لازمة لهم في جميع الأحوال، قال ابن كثير رحمه الله {وضربت عليهم المسكنة} أي أُلزموها قدرًا وشرعًا (11) والله أعلم.
-ومنها أنّهم أهل جبن وهلع وخور كما قال تعالى {لا يقاتلونكم جميعًا إلاّ في قرىً محصّنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد} [الحشر: 14] وقال عنهم: {وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا يُنصَرون} [آل عمران: 111] .
-ومنها وهو كالسبب لما قبله حرصهم على الحياة ولو كانت حياة خِسَّة ومهانة كما قال تعالى عنهم {ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة ... } [البقرة: 96] .
قُلت: لفظ «حياة» هنا نكرة في سياقِ الإثبات، وهي ربّما أفادت العموم بمجرّد دلالة السياق كما في قوله تعالى {علمَتْ نفسٌ ما قدَّمَتْ وأخّرت} [المائدة: 82] ، وكما في قول القائل (12) :
يَوْمًا تَرى مرضعةً خَلُوجًا ... وكُلُّ أنثى حَمَلَت خَدُوجا
وسط-وكُلَّ صاحٍ ثَمِلًا مَرُوجا
فإنّه أراد كُلَّ مرضعة بدليل ما بعده، وكذا قوله تعالى هنا على «حياة» فإنّها نكرة لإفادة معنى حرصهم على أيّ مرتبة من مراتب الحياة الدنيا وإن كانت حياة الذلّة والهوان، قاتلهم الله أنّى يُؤفكون.