فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 210

المغضوب عليهم هم اليهود، ويؤيّد هذا قوله تعالى: {قل هل أنبِّئكم بشرٍّ من ذلك مثوبة عند الله، مَن لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شرٌّ مكانًا وأضلّ عن سواء السبيل} [المائدة: 60] .

-ومن ذلك أنّ الله تعالى جعلهم أهل ذلّة ومسكنة وصغار كما قال سبحانه {ضُرِبَت عليهم الذلَّةُ أين ما ثُقِفوا إلاّ بحبلٍ من اللهِ وحبلٍ من الناس وباءوا بغَضبٍ من الله وضُرِبَت عليهمُ المسكَنَةُ ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتُلُون الأنبياء بغير حقّ ذلك بما عَصَوا وكانوا يعتَدُونَ} [آل عمران: 112] .

وقوله تعالى هنا {أين ما ثقفوا} شرطيّة، وما زائدة، وثقفوا في موضع جزم، وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه ما قبله، ومن أجاز تقديم جواب الشرط قال: ضُربت هو الجواب، ويلزم على هذا أن يكون ضرب الذلّة مستقبلًا، وعلى الوجه الأوّل هو ماضٍ يدلّ على المستقبل، أي ضُربَت عليهم الذلّة، وحيثما ظُفِر بهم ووُجدوا تُضرَب عليهم، وهذا المعنى يؤيّد قولَ من جعل الاستثناء في قوله {إلاّ بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس} منقطعًا، لأنّ الذلة لا تفارقهم أينما كانوا، وهو معنى أين ما ثقفوا، فإنّه عام في الأمكنة. ونقل ابن حبّان القول بذلك -أعني بانقطاع الاستثناء عن الفراء والزجاج- قال: وهو اختيار ابن عطيّة الأندلسي (8) ، وقيلَ: بل هو متّصل والمعنى ضُربَت عليهم الذلّة في عامة الأحوال إلاّ في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس. كذا ذكره الزمخشريّ (9) . وقد قال ابن عبّاس رحمه الله تعالى ورضي عنه: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي بعهد من الله وعهد من الناس.

ونحوه عن مجاهد وعكرمة والضحّاك وعطاء وقتادة والحسن والسدي والربيع بن أنس، كما رواه عنهم ابن جرير رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت