خَلفٌ من إخوان النصارى وأقرانِ اليهود فنقضوه حتى لم يبقوا له على أثر البتة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
الدليل على أن نقض هذه العروة نقض لأصلٍ من أصولِ الدين والتوحيد:
فمنها وهو الأول: قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] . وهذه الآية قد دلت على تفرّد الله سبحانه وتعالى بالأمرِ كتفرّده عز وجلَّ بالخلق، ومن جعلَ له شريكًا في الأمر فهو كمن جعل له شريكًا في الخلق تعالى الله تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
نعم، قد ذكر كثير من المفسيرين أن الأمَر هنا هو الأمرُّ القدري الكوني، وذكر آخرون أنه الديني الشرعي وهو الذي يقابل الديني كما ذكره الألوسي في الروح وابن الجوزي في الزاد والسعدي في تفسيره وغيرهم.
قلت: ولا مانع من حمل الآية على المعنيين جميعًا إذ لا تعارض بين ما حكوه رحمهم الله تعالى، وقد ورد التفريق بين القسمين في مواضع أخرى من كتاب الله تعالى كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال في الأمر الديني الشرعي: {إنّ الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى} ، {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ، {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ، وقال في الأمر الكوني القدري: {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} ، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} ، وكذلك قوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} على أحد الأقوال. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذا كما قال رحمه الله تعالى في قوله تعالى {إن الحكم إلاّ لله} أنها جمعت بين الحكم الديني والشرعي.
وقد قال ابن عطية رحمه الله تعالى: لما تقدم من الآية"خلق"و"بأمره"تأكد في آخره أن الخلق والأمر المصدرين حَسب تقدمهما، وكيف ما تأولت الآية فالجميع لله.
وقال الرازي: هذه الآية تدل على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئًا إلاّ الله سبحانه.
قلت: يؤيد هذا أنّ قوله {ألا له الخلق والأمر} يفيد الحصر، فإن اللام في قوله {له} لام الملك، وكذلك تقديم ضمير الجلالة إنما هو لإفادة الحصر والاختصاص، وممن اختار تناول الآية الأمرين معًا"السعدي"في تفسيره فقال: الأمر يتضمن أحكامه الدينية والشرعية. وذكر كذلك أنّ الأمر يتضمن الشرائع والنبوات.