وقلت كذلك: قد ورد في حديث الصحيحين في رؤيا عبد الله بن سلام: ما يدلّ على أن العروة الإسلام، ولا منافاة بين جميع ما ذكر بل كله صحيح كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.
مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في زماننا:
هذا وقد قال الشيخ العلامة حَمودُ بن عبد الله التويجري رحمه الله تعالى في التعليق على هذا الحديث: (وقد وقع مصداقُ هذا الحديث في زماننا حيث نبذ كثير من المنتسبين إلى الإسلام الحكم بالشريعة المحمدية وراء ظهورهم، واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية، وكل ما خرج عن حكم الكتاب والسنة، فهو من حكم الطاغوت والجاهلية، وقد نقض الأكثرون أيضًا غير ذلك من عرى الإسلام، كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله تعالى العظيم) - قال ذلك في كتابه"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة": ج2 ص73 -
قلت: وأنا أقول بقول الشيخ رحمه الله تعالى.
وأزيد فأقول: قد دلت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة على وجوب تحكيم شريعة الله تعالى، واطراح ما خالفها ونبذه، كما دلت على وجوب التحاكم إليه والتغليظ في شأنِ المعرضين عنه حتى جعله الله تعالى علامة فارقة بين الإيمان والكفر، والاخلاص والنفاق، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم"عروة"فإن العروة تطلق على الوثاق الشديد الذي يصعب حله.
ومنه في الحديث: (لا تشد العرى إلاّ إلى ثلاثة مساجد) ، والمراد عُرى الأحمالِ والرواحل.
والعُروة إنما تُحَلُّ أولًا شيئًا فشيئًا حتى تنقضَ ولا يبقى لها أثر البتة وكُلُّ هذا قد وقع مصداقه كما أخبر به صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، فلا زال الأمرُ في زمنه صلى الله عليه وسلم وعصر الخلافة الراشدة على تمامه وأحسنه، ثم آل الأمرَ إلى التناقص شيئًا فشيئًا حتى انقرض عصر الأصحاب، ووقع من أمراءِ بني أمية، وبني العباس رحمهم الله تعالى التهاونُ فيه مع بقاء شريعة الله تعالى ظاهرة في الغالب وأحكامه نافذة، كلما جاء زمان خلفه شرٌّ منه، حتى نقضت هذه العروة بالكليّة أولَ ما انتقضت زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بما فعله التتار من الإعراض عنه بالكلية واستبداله بالشرائع الوضعية فجالدهم المسلمون على ذلك بالسيوف، وأفتى بذلك الشيخ رحمه الله تعالى، فحفظ الله تعالى للأمة دينها بجهاد الشيخ وصبره وبلائه الحسن رحمه الله تعالى ما شاء الله تعالى له أن يُحفظ، حتى خلفَ من بعدهم