فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 210

رسالة نصيحة لأبي عمر البغدادي

من الشيخ أبي الوليد الأنصاري

-حفظه الله -

نخبة الفكر

ذو الحجة 1435 - أكتوبر 2014

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وجعلنا من المسلمين، وهدانا بفضله إلى التي هي أقوم فيا فوز المستغفرين، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن أتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

من خادم العلم وأهله أبي الوليد الأنصاري إلى حضرة الأخوين المكرمين الأمير الكبير عالي القدر أبي عمر البغدادي، والقائد المظفر بعون الله تعالى أبي حمزة المهاجر، وإلى من يليهما من أعيان علماء و أمراء وقادة المجاهدين ثبتهم الله تعالى وأيدهم بنصره، ومدّ بهم بساط الدين ورفع بهم لواءه، وهدانا وإياهم إلى التي هي أقوم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

أما بعد,

فإننا نحمد إليكم الله تعالى على ما وفقنا وإياكم إليه من القيام بواجب الجهاد في سبيله عز وجل، في زمان غلب على الناس فيه الرضا بالدنيا الدنية، وفشت فيه الأخلاق السبعية، وأجلب الشيطان بخيله ورجله، ونادى في أعوانه: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم! وظن أعداء الدين أن قد أحيط بالإسلام وأهله، وأن لن ينقلب المؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنّ السوء، وكانوا قوما بورا، وخابوا والله وخسروا، وأبقى الله لهم ما يخزيهم، قوما يحبون الموت كما يحب أعداء الدين الحياة، فما أولئك بأحرص على دنياهم من هؤلاء على دينهم، وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر.

وأنتم حفظكم الله - ونحسبكم والله حسيبكم - ممن أبقى الله لعدو دينه، وما هداكم الله تعالى إليه من جهاد العدو الصائل على الإسلام وأهله هو اليوم من أجل القربات وأفضل الطاعات، بل من الفرائض المتعينات، وعلى هذا اتفقت كلمة الأئمة رحمهم الله، وحكى غير واحد منهم أنه لا يعلم في ذلك خلافا.

وبشراكم أن تعلموا أن من الأصول التي يرجع إليها فضل الجهاد في سبيل الله أنه موافقة لتدبير الحق وإلهامه سبحانه، فكان السعي في إتمامه سببا لشمول الرحمة، والسعي في إبطاله سببا لشمول اللعنة، والتقاعد عنه في مثل هذا الزمان تفويت لخير كثير، كذا قال العلامة الدهلوي في الحجة البالغة رحمه الله.

وإنما يكون السعي في إتمامه وتجنب إبطاله بتحقيق شرطيه: الإخلاص، والمتابعة، ولا يخفى أنه ذروة سنام الإسلام، وبه تكميل الملة وتنويه أمرها، وبه فرض هيبتها ونشر لواء سطوتها، وما كان هذا شانه فواجب أن تعقد الخناصر على بذل النصح فيه لأهله، والجهاد قد شرع لإعلاء كلمة الله، فكل ما لا يكون الإعلاء إلا به فهو واجب، ومن ذلك النصح فيه لله ورسوله ولأئمة المؤمنين وعامتهم.

وهذا بعد التشرف بوصل حبلكم - وصلكم الله بحبله - هو الحامل على الكتابة إليكم، وليس ذلك تفضلا ولا منة - بل الفضل والمنة لله وحده سبحانه - وإنما هو حق لازم لإخواننا نؤديه، جعلنا الله وإياهم على الأثر الحميد من المشمولين ببركات قوله تعالى: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

وقد حاولت منذ مدة مراسلتكم والكتابة إليكم لولا كثرة الحوائل والشواغل والله المستعان، حتى إذا ما وقعت الأحداث الأخيرة وأعلنتم عن إقامة الدولة - أيدها الله - رأيت أني والزمان كفرسي رهان، وخشيت إٍن تخلّفت من عادية اللوم ومعرّة الهوان، وناديت السابق المجلّيَ في الورى، على رسلك، فمن الرديف وقد ركبت غضنفرا؟!.

وهذا أوان الشروع فيما إليه قصدت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت، فأقول وبالله استعين:

الأول وعلى الله وحده المعول: اعلموا - حفظكم الله - أن الجهاد في سبيل الله عبادة مبناها على الرحمة بأهل الإسلام، بل بخلق الله أجمعين، فإنها لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمة الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمة البدعة إلى نور السنة، ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، والله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهكذا ينبغي أن يكون ورثة الأنبياء والرسل من العلماء العاملين والدعاة الربانيين والمهاجرين المخلصين والمجاهدين الصادقين، فإن وراثة النبوة كما تكون بالعلم تكون كذلك بالعمل، ومن العمل التأسي بكريم خلقه والتحلي بمحاسن شمائله صلوات الله وسلامه عليه، وهو القائل لما بعث الله ملك الجبال ليطبق على أهل مكة الأخشبين: بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئا، والقائل لأهل مكة يوم الفتح وقد أمكنه الله منهم بعد أن آذوه وأخرجوه: اذهبوا فأنتم الطلقاء!.

ولا يغيبن عن بالكم أن أمة الإسلام اليوم مثخنة بالجراح، تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة لولا لطف الله تعالى، فكونوا لهم بعد الله تعالى ملاذا وملجئا، ووطئوا لهم أكنافكم، واعلموا أن السلطان كالوالد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، ومن شأن الوالد أن لا ينسيه حرصه على تقويم عوج ولده رحمته به وحرصه عليه، وهذا من أصول السياسة الشرعية، وهو عروة المودة بين الراعي والرعية، على أن الحزم وضع الشيئ في موضعه، وليس اللين في موضع اللين بأجمل من الشدة في موضع الشدة، لكن الأول أصل والثاني عارض، كالدواء آخره الكيّ، وهذا منزل يحتاج إلى الجمع بين فقه الشرع ومعرفة أصول وقواعد المصالح والمفاسد في الوحيين الشريفين وبين فقه الحال الواقع وتصوره على ما هو عليه، وفي هذا تتفاوت مراتب الولاة، وتتباين منازل الرعاة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الثاني وهو مورد التهاني: أن الجهاد في سبيل الله من أحوج العبادات إلى العلم، لأن نفع الجهاد متعد كما قال النووي وابن تيمية والسيوطي وغيرهم رحمهم الله، ولا يتعدى نفعه على الوجه الذي يحب الله ويرضى إلا إن وقع على وفق العلم، وليس الخطأ فيه كالخطأ في العبادات القاصر نفعها، فإن خطأ الواحد من المكلفين في الصلاة والصوم والحج يعود ضرره على المكلف وحده، والخطأ في الجهاد يتعدى ضرره إلى الغير، فإن كان الجهاد مع الجهل انقلب إلى نقيض المقصود منه فصار سفكا للدماء بغير حق، وعدوانا على الحرمات، وإهانة للكرامات، وإخافة للسبيل، والله المستعان، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشهيد يحال بينه وبين الجنة بسبب الدين لأنه من حقوق العباد، وهذا تنبيه كما قال النووي رحمه الله على سائر الحقوق، فإذا كان هذا في حق مالي سمح به الدائن ابتداء، فما الظن فيما هو أعظم من الحقوق؟! نسأل الله السلامة والعافية.

فالواجب على الإخوان - حفظهم الله - أن يولوا ذلك أشد العناية بمراجعة من يثقون في دينه وعلمه وإن بعدت الشقة، وبتقريب من آتاه الله حظا من العلم وإن قل، وتهيئة الأسباب المعينة على طلب العلم وتحصيله وهي كثيرة في زماننا ولله الحمد والمنة، ومن كان ممن يليهم من الإخوان فيه ميل لطلب العلم وتحصيله وأمكن صرف همته إليه وتفريغ وقته للقيام بحقه وعدم شغله بغيره فليفعل به ذلك، على أن لا يغادر ميادين النزال، أداء للفرض الواجب أولا، وجمعا بين شرفي العلم والجهاد ثانيا، وليكون أعون له على معرفة مايستجد من نوازل الجهاد ثالثا، وليكن وكده وهمه تعلم أحكام الجهاد في سبيل الله وحفظ مسائله وإتقان فروعه ودقائقه، وإن استطاع أن لا يدع كتابا في أحكام الجهاد إلا وطالعه فليفعل، ويحتاج مع ذلك إلى مطالعة أحكام البغاة وأحكام المرتدين، وكل ذلك في كتب شروح الحديث أولا، ثم في كتب فقه المذاهب الأربعة وكتب العلامة ابن حزم رحمه الله، ثم في كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وفي كتب بعض المتأخرين كالشوكاني والقنوجي رحمهما الله، ثم في كتب النوازل والفتاوي مقدما نوازل المالكية فإن فيها في هذا الباب ما ليس في غيرها، والله الموفق لكل خير لا رب سواه.

ومن أعظم العون للأمراء والقادة على فقه السياسة الشرعية وتدبير أمور الرعية مطالعة كتب السيرة والفتوح والتواريخ والتراجم كما هو صنيع بعض من سلف من ملوك العدل وأمراء الإسلام رحمهم الله، فلا يخلي نفسه من قارئ يقرأ بين يديه شيئا من ذلك في كل يوم وإن قل، فإنه ينتفع به جدا إن شاء الله تعالى.

الثالث وهو العصمة من الكوارث: أن يعلم الإخوان حفظهم الله أن الأصل في الدماء العصمة ولا يجوز استباحة شيئ منها إلا بدليل بيَّن من كتاب أو سنة صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالشهادتين من غير برهان قائم وحجة ناهضة عظيم في الدين، وليس كل من حفظ شيئا من الآيات أو الأحاديث جاز له أن يفتي أو يستدل حتى يأتي في ذلك بما يوافق قواعد الشريعة المحررة المقررة، ويجري مجرى العلماء في بناء الفروع على الأصول، ويسلك مسلك التحقيق والتدقيق في ذكر ما له وما عليه، مع الديانة المتينة، والورع القوي، فهذا هو الراسخ في العلم الذي ترد إليه الفتوى، والذي أمرنا بسؤاله والرجوع إليه، وأما من سواه ممن يشدوا مسألة ويفتي في عشر! فواجب على من بسط الله يده بالعلم وأنعم عليه بالقدرة والسلطان أن يحجر عليه صيانة للشرع وحفظا للدين كما أفتى به الأئمة رحمهم الله.

ونحن في زمان تعاظم فيه الجهل، وقل فيه العلم، وندر العلماء العاملون والدعاة الصادقون، وفشا فيه الكفر والظلم المانعان من تبليغ الحق للناس، وكل ذلك من موانع حصول العلم كما قرره علماؤنا رحمهم الله، ومراعاة هذا في السياسة الشرعية وفي أحكام النوازل مما لا يسع العلماء والأمراء تركه، وبالله التوفيق.

فإن أشكل في أمر الدماء شيئ وجب الاحتياط، والعدول إلى العفو خير من الجنوح إلى العقوبة، وعلى هذا كلمة الأئمة رحمهم الله، وهذا بيان لبعضها:

قال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة: الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد.

وقال القرطبي في المفهم: وباب التكفير خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا.

وقد سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي الجويني عن تكفير الخوارج فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين.

وقد سئل نحو هذا القاضي أبو بكر الباقلاني فتوقف فيه، وقال: لم يصرح القوم بالكفر، وإنما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر.

ونشر مثل هذا بين المسلمين عامة والمجاهدين خاصة مما يحفظ الله به الجهاد، ويقيه به عن الوقوع في مداحض الأهواء ومزالق الشبهات، ويحفظه من مصارع السوء، ولا يخفى أن النفوس مجبولة على حب التملك والتسلط، وهذا من أعظم أسباب العدوان والظلم، مالم يزعها دين زاجر أو يردعها سلطان قاهر، والجرأة على الدماء قرينة الجهل، والجهل بين النافرين إلى الجهاد - والله المستعان - كثير، فهم أحوج إلى كبح جماح النفس وتقييدها بقيود الشرع وضبطها يضوابطه من حاجتهم إلى إطلاق أيديهم فيما يوافق مراد النفس وهواها وللشيطان فيه حظ عظيم.

وفي قوله تعالى في سورة النساء: فيُقتل أو يغلب، نكتة من المناسب إيرادها في هذا الموضع، ذكرها البيضاوي رحمه الله فقال: وإنما قال: فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ، تنبيهًا على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين ..

وجماع المعقود في هذه النصيحة أن الواجب على الإخوان حفظهم الله الاحتياط في هذا الباب ما أمكن، وتفويض أمره إلى حملة الشرع من أهل العلم لتمحيص مسائله وتخليصها من شطحات المتعالمين وهفوات صغار المتعلمين، كما أن الواجب على كافة المجاهدين عدم الإقدام على شيئ من ذلك إلا بعد الفتيا من العلماء المؤهلين المهتدين بنور الوحيين الشريفين.

ثم إن التولي عن هذا - عافانا الله وإخواننا من ذلك -جناية على الشرع ودخول في حكم قوله تعالى: فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون.

الرابع وهو الغيث الهامع: أن تعلموا - أيدكم الله بنصره - أنه ليس كل ما جاز لنا فعله ففرض علينا أن نفعله، فربما كان الشيئ جائزا بأصله لكنه ممنوع بالنظر إلى ما يترتب على فعله من المفاسد وما يفوت من المصالح، وربما كان فعله أولى في مكان دون مكان أو زمان دون زمان أو قوم دون قوم، بل إن الواجب قد يترك حذرا من تفويت ما هو أوجب منه، وهذه القاعدة أصل من أصول السياسة الشرعية، ألا ترون أن النبيّ صلى الله عليه وسلم امتنع عن قتل المنافقين خشية أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ألا ترون أنه صلى الله عليه وسلم ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم حتى لا يفتتن الناس لأنهم حديثوا عهد بكفر، ألا ترون أنه صلوات الله وسلامه عليه أعطى المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين وترك الأنصار فلم يعطهم تأليفا لقلوب الأولين على الإسلام وحذرًا من نكوصهم على أعقابهم خاسرين، ألا ترون قول ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، وهذا وغيره كثير من أعظم الأدلة على صحة الأصل الذي ذكرناه، وكم فوت الإعراض عنه كثيرا من المصالح وجر كثيرا من المفاسد، وفي ساحات الجهاد على وجه الخصوص، فترى العدول عن أعمال لا يكاد يختلف عليها اثنان من المسلمين إلى أعمال - وإن كانت جائزة - لا تبلغها عقول كثير من الخاصة بله العامة وهي فتنة لكثير منهم، والحال أنه يسعنا تركها إما مطلقا أو إلى حين آخر تأليفا للقلوب وجمعا لكلمة الأمة على الجهاد في سبيل الله، وتأملوا كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين مع ما كان عليه المسلمون من العزة والمنعة بعد الهجرة إلى المدينة النبوية وبعدما نصر الله الإسلام وأهله وأذل الباطل وحزبه، فكيف والمسلمون اليوم على الحال الذي تعلمون، وعدو الدين يحول بين الداعين إلى الله وبين أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها أن يبلغوهم كلمة الحق ودعوة الخير، ويستخدم لذلك كل آلة ووسيلة من مرئي الإعلام ومسموعه ومقروءه، مع ما يلبس به أحبار السوء وأئمة الضلالة وما هيئ لهم من الأسباب وذلل لهم من العقبات والله بالمرصاد.

وقد قلت لمن سألني مرارا: إن مقتضى السياسة الشرعية في إقامة الجهاد في أي بلد من بلدان المسلمين البدء بقتال أئمة الكفر ممن يجاهرون الإسلام وأهله بالعداوة من دعاة الإلحاد والمجاهرين بالكفر الصريح كمن ينادي بنبذ الشريعة الرفيعة والإعراض عنها إلى شرائع اليهود والنصارى ويتهم شرع الله بالتخلف والرجعية والجمود، وكمن يطعن في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الإعلاميين والصحفيين والكتاب ومن على شاكلتهم ممن شاع أمره وفشا بين الناس خبره ليتوسل بذلك إلى تبليغ دعوة الحق إلى الناس مع ما فيه من الموعظة البليغة والزجر الأكيد على حد قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه: فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، وهذا إن شاء الله تعالى دليل لما ذكرناه، أما قتل بعض من تزكم لهم أنوف الكثيرين ويلتبس أمرهم على كثير من الخاصة فضلا عن العامة ممن يظهر للناس التمسح بمسوح الإسلام والتقمص بقمصان العلم ويرتدي ثياب الواعظين فهذا وإن ثبت في حقه مايستحق به القتل فينبغي مراعاة المصالح المعتبرة في ذلك، فإن اقتضت المصلحة تأخير ذلك أخر، ومتى كان فعل ذلك مقرونا بحصول مفسدة تربو على مصلحة فعله وجب تركه، وكان فعله مع عدم القدرة على تفادي المفسدة المذكورة داخلا تحت العجز الذي يسقط معه التكليف، والقاعدة أن لا تكليف مع العجز، والله أعلم.

وليس هذا بحمد الله تعالى بدعا من القول بل هو في معنى ما ثبت في الشرع من تأخير إقامة الحد في دار الحرب إذا خيف على المحدود أن تلحقه الحمية ويلتحق بالحربيين، فتؤخر إقامة الحد إلى حين التمكن منه مجردا عن وقوع المفسدة المذكورة، وبالله التوفيق.

ومثل هذا يقال أيضا في مسائل غير القتل، ربما كانت جائزة لكن المصلحة المرعية تقتضي تركها، كالذي أفتى به بعض متقدمي العلماء من جواز أخذ أموال الأغنياء إذا احتيج إليها في سد حاجة المجاهدين ولدفع العدو الصائل وضاقت أموال الزكاة الواجبة عن القيام بمصالح ذلك، فمثل هذا يسلك به المسلك الذي ذكرناه، وليس كل ما أفتى به عالم من المتقدمين في زمن سلطان المسلمين وعزتهم فهو صالح للعمل به في زماننا، بل لا بد من مراعاة الخصوصيات المثيرة للفوارق حالا وزمانا ومكانا، وهي أحد القواعد التي ينبني عليها فقه النوازل كما في المعيار المعرب للونشريسي رحمه الله، مع مراعاة قاعدة المصالح والمفاسد التي عليها مدار الشريعة وهي قاعدتها الكلية كما ذكر العز ابن عبد السلام وغيره رحم الله الجميع، وقد ذكر الشاطبي رحمه الله أن أعظم أسباب زلات العلماء الغفلة عن مقاصد الشرع، فإذا كان هذا حال العالم فكيف الظن بمن هو دونه؟! أم كيف الظن بمن لم ينل منه حتى القطمير وحظه منه كحظ الجائع من النسيم، كحال كاتب هذه الأسطر، نسأل الله أن يجبر كسرنا ويرحم ضعفنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وأنتم - أيدكم الله - على ثغر عظيم من ثغور المسلمين، وأمامكم عدو بيّن العداوة قد شمر عن ساق الجدّ في محاربة الإسلام وأهله، وهو العدو الصليبي الذي حل عقر ديار المسلمين ومن يقاتل دونه من جموع المرتدين، فانظروا هؤلاء فاحصدوهم حصدا، ولا تبقوا لهم من باقية، واجعلوا من قتالهم مفتاحا لجمع الكلمة ورتقا للفتق ووسيلة لتبليغ دعوة الله تعالى والله يهدينا وإياكم سواء السبيل.

الخامس وهو النور المبدد للظلام الدامس: أنتم - كان الله لنا ولكم _ قد أعلنتم عن إقامة الدولة الإسلامية - نصرها الله - وأعلنتم عن تنصيب أمير للمؤمنين التزمتم بيعته، وهذا لعمر الله وإن كان من أعظم الغايات التي تجرد سيوف الجهاد لأجلها وهو مما يثلج صدور المؤمنين، إلا أنني لا أخفيكم أنه قد أوقع في نفسي ونفوس الكثيرين -ومنهم من هو من أكابر إخواننا من السابقين الأولين إلى الجهاد في زماننا وهم اليوم من أهل الحل والعقد بين المجاهدين- كثيرا من التساؤلات والإشكالات وأوجسنا من ذلك خيفة في أنفسنا حذرا من تكرار بعض الأخطاء السابقة التي عشناها، وخشية أن يجر ذلك إلى أمور لا تحمد عقباها، أو يستغلها عدو الدين في إثارة الفتن ويوري بذلك نارها، خاصة بعد إعلانكم الحكم على كل مخالف للدولة بالمعصية والسعي في تفريق كلمة المسلمين، وهذا أمر بالنسبة إلينا قد يكون صوابا في نفس الأمر وقد يكون خطأ، لتوقفه على معرفة حقيقة الواقع هناك، مجردا عن شوائب الميول النفسية والرغبات القلبية والحظوظ التي تلقي بظلالها على الحقيقة فتحول دون رؤية الأمر على ما هو عليه، وهذا من ثمة من أعظم موانع بذل النصح الذي تصحح به المسيرة وتستدرك به الأخطاء، فمثل هذا كمثل من يخفي عن الطبيب عوارض المرض أو بعضها فيمنعه من تشخيص المرض على وجهه ويحول بينه وبين إرشاده إلى الدواء الحاسم لدائه والله المستعان.

ونحن إن شاء الله تعالى نربأ بكم عن مثل ذلك ولا نظن بكم إلا خيرا، وإنما المقصود تنبيهكم على ما ينقصنا معرفته لتكونوا على بينة من الأمر، وليكون ذلك عونا لنا بعد الله تعالى على أداء النصيحة على وجهها ووصل ما أمر الله به أن يوصل، جعلنا الله وإياكم من المشمولين ببركة قوله عز وجل: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

وهذا بيان بما نحتاج إلى توضيحه والاطلاع عليه، سدد الله خطاكم وهداكم وهدى بكم إلى التي هي أقوم:

• الأول: وصف الواقع على ما هو عليه قبل الإعلان عن الدولة، من جهة البلدان والأمصار التي هي تحت سلطان المجاهدين وسيطرتهم، وتعاون الناس معهم.

• الثاني: الجماعات الأخرى، وجودها وقدراتها، وارتباط الناس بها، مع ذكر نبذة عن أصول مناهجها العلمية والعملية، والعلاقة بينكم وبينها قبل الإعلان عن الدولة جعلها الله عزا للإسلام وأهله.

• الثالث: موقفكم من العامة من المسلمين التاركين لقتال العدو الصائل وليسوا هم في عدوته ولا ممن يؤلب على حرب الإسلام وأهله، ولا هم ممن يعين أهل الجهاد في جهادهم، والمأمول منكم التماس العذر لنا في سؤالنا عن هذا إذ أنه كان من أعظم أسباب انحراف الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر فيما مضى، والله يحفظنا وإياكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

• الرابع: الأسباب الحاملة على الإعلان عن الدولة في هذه المدة.

• الخامس: الطريق الشرعي الذي سلكتموه في تنصيب الأمير، وتسميته أميرا للمؤمنين.

• السادس: الآثار المترتبة على إعلانكم الحكم على كل مخالف للدولة بأنه عاص ساع في الفرقة بين المسلمين.

واعلموا حفظكم الله أن الأسماء لا تغير من الحقائق شيئا، وأن الأحكام الشرعية مبينة على الحقائق وجودا وعدما، ولولا ذلك لكان كل من ادعى دعوى محقا، كما لا يقال لمن حج قد حج حتى يأتي بمناسك الحج على الحقيقة، من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والرمي والحلق والذبح وطواف الإفاضة وغير ذلك مما لا يسمى الحج حجا إلا به، ولو فعل بعض ذلك فحسب ثم قفل راجعا، أو وقف في غير عرفة أو بات في غير مزدلفة ثم سمى ذلك حجا! لقيل له جانبت الحقيقة ولم يغنك خلع اسم الحج على ما صنعت شيئا، وكذلك يقال هنا، فإن الإمام لا يسمى إماما إلا بحصول الشوكة التي يتحقق بها مقصود الإمامة، والشوكة تحصل بأحد طريقين: إما بدخول أهل الشوكة تحت طاعة الخليفة، وإما بقهره لهم، ذكر كل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة النبوية بتفصيل حسن جدا وبيان لاغاية وراءه ولا مزيد عليه، فليراجع هناك.

وننبه الإخوان - علمنا الله وإياهم - إلى أننا لا نقصد في هذا المقام حملهم على التراجع عما قصدوا إليه، بل نرى التراجع منفذا لسهام الأعداء وربما أصاب المقاتل عافانا الله وإخواننا من ذلك، وإنما نبحث معهم في تحقق ذلك في نفس الأمر، أو السعي في تحقيقه وإكمال ما نقص منه، سدد الله على الحق خطانا وخطاهم وهو الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين.

وأيضا فإننا نرغب بأنفسنا وإخواننا عن أن تحملنا الرغبة في التعجيل بإقامة دولة الإسلام في الأرض على سلوك سبيل أهل الأهواء والبدع من الرافضة في ذلك، فنحمل الناس على التزام بيعة من لا يلزمهم الشرع ببيعته ونرتب على ذلك أحكام الإمامة العظمى، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله كما في مسائل ابنه عبد الله عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية؟ فقال: أتدري من الإمام؟ هو من اجتمعت عليه كلمة الناس وكلهم يقول هذا إمام. ثم وجدنا في أصول أهل السنة والجماعة رحمهم الله أن الإمامة تنعقد بطرق يتعلق منها بمسألتنا بيعة أهل الحل والعقد الذين تحصل بهم الشوكة التي يتحقق بها مقصود الإمامة، وأهل الحل والعقد هم أولو الأمر بذاتهم وهم العلماء وأولو الأمر بغيرهم وهم الأمراء الذين يدين الناس لهم بالطاعة والولاء، ثم وجدنا العلماء رحمهم الله - كما في نوازل المالكية وغيرهم - يذكرون أن من المقرر في الفقه أن جماعات المسلمين تنزل منزلة الإمام إذا عدم، ذكروا هذا في أحكام النفير، وقتال العدو الصائل، وقتال البغاة، وفي أحكام السمع والطاعة لأهل الحل والعقد منهم، وفي أخذ الزكاة وإعطائها لمستحقيها، وفي القضاء ورد المتنازع عليه إلى العلماء منهم لفض الخصومات بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويتركب من هذا كله أن لا تنعقد الإمامة لأحد - إذا عدم الإمام وخلا عنه الزمان - إلا بموافقة أهل الحل والعقد من جماعات المسلمين الذين تحصل بموافقتهم الشوكة التي يحصل بها مقصود الإمامة، وربنا الهادي إلى سواء السبيل لا رب سواه.

السادس وهو من الصيد الكادس (والكادس: هو الصيد يستقبل الصائد من أعلاه) : أن تعلموا - زينكم الله بزينة الإيمان والتقوى - أن أمامكم بعد الإعلان عن الدولة عقبتين إن أنتم تجاوزتموهما رجوت أن يمكّن الله تعالى لكم وأن يستخلفكم في الأرض، وملاك الأمر كله من قبل ومن بعد مخافة الله تعالى والوقوف عند حدوده، وهذا بيانهما والله الموفق للصواب:

الأولى: الجماعات الأخرى التي تشارككم الميدان، وهذه على اختلاف مناهجها وتباين أهدافها فإن العدو الآن يسعى جاهدا في إثارة الفتن وإيقاد العداوات بينكم وبينهم، وهو أباده الله متمرس بذلك أشد المراس، مطلع على كثير من خبايا الزوايا، لا في أيامنا هذه فحسب، بل منذ قرون الأندلس الخالية، ثم في دول المسلمين المتعاقبة على مرّ السنين، وله -رد الله كيده في نحره- من الدسائس والسبل ما تحتاجون معه إلى مزيد من الحيطة الحذر، مع حسن التوكل على الله تعالى وصدق اللجوء إليه عز وجل، وأنتم وإن كنتم أهل البيت وأدرى بخبايا زواياه، إلا أن المقترح جملة من الأمور علها تكون بعون من الله عونا في كشف هذه الملمّة، وهذا بيان لها:

الأول: أن تنظروا في مراتب هذه الجماعات قربا منكم وبعدا، فمن أمكنكم الاجتماع معه على كلمة سواء، فذاك الذي عليه العمدة في حمل اللواء، وهو الصاحب الوفي في الشدّة والرخاء، ومن كان منهم دون ذلك فمداراته سبيل مشروع، وجادة قويمة، حتى وإن استلزم ذلك غض الطرف عن بعض الحقوق، والكريمُ من كتم ظلم ذوي قرباه له حذر شماتة الأعداء، وأنْفُكَ منك وإن كان أجدعا، وقد قال معاوية رضي الله عنه في وصيته ليزيد: وأما أهل العراق فانظر، فإن سألوك أن تجعل عليهم كل يوم أميرا فافعل، فإن ذلك خيرٌ من مائة ألف سيف تسل لا يدري أصحابها فيما سلت.

الثاني: أن تعلموا - علمنا الله وإياكم- أنكم حيث وضعتم أنفسكم هذا الموضع فيلزمكم جملة من الأمور هي من السياسة الشرعية، وبها تحقيق كثير من المصالح المرعية:

-منها الارتقاء في التعامل مع الآخرين جماعات وأفرادا، من التعاملات الحزبية المحصورة في فئة منتقاة منتخبة من الناس، لحقوا بالجماعة طوعا ورغبة في نصرة الدين، إلى التعامل مع أفراد الناس كافة، القريب منهم والبعيد، والصالح والطالح، والموافق والمخالف، والمحب والكاره، وأنتم في هذه كله مع الفئام المختلفة من الناس كالوالد مع أبناء الضرائر، فهم عنده على تباين ما بينهم على مرتبة سواء، وقد ذكر ابن فضل الله العمري رحمه الله في مسالك الأبصار أن من قواعد سياسة الرعية التي يجب على الإمام الأخذ بها أن يحذر من الميل مع موافقيه من الرعية على مخالفيه، وإلا أفسدهم وحملوا عليه، وجماع ذلك العدل الذي أمر الله تعالى به وعليه المدار في شرعنا الشريف. وينبغي التنبه إلى أن التخلص من موروثات مرحلة الجماعات والأحزاب يحتاج إلى مجاهدة عظيمة للنفس، مع العمل على نشر الوعي في هذا الباب بين المجاهدين على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم، وأولاهم بذلك طبقة الأمراء والقادة، وقراءة سيرة ملوك العدل وعظماء الأمم من أحسن العون على ذلك إن شاء الله تعالى.

-ومنها التقدم في مستوى الخطاب، وذلك بما يلي:

1)العدول عن الألفاظ التي لا تليق بالأكابر، ك (آل سلول) (وديك الحرب) (واتهام الآخرين بالحسد) ، ونحو ذلك، إلى ألفاظ أحسن منها لا يختلف على حسنها سمعان، وهذا داخل في قوله تعالى: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعلى حد قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله كما في تاريخ دمشق لما سمع رجلًا قال لرجل: ماذا تحت إبطك؟ فغضب عمر وقال: ماذا على أحدكم أن يتكلم بأحسن ما يجد؟! هلا قلت: ماذا تحت يدك. ومن قواعد هذا الباب قولهم: كلام الملوك ملوك الكلام.

2)أن تكون خطابات الكبار أميل إلى الاختصار من الإطالة، جامعة مانعة، تتعلق بالمصالح الكلية، وتجتنب الحديث في الجزئيات، وخاصة خطابات أبي عمر حفظه الله، وأصل هذا اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه، فإنه أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، فمهما أمكن ذلك فهو المقدم المطلوب، وفي ذلك من الفوائد حفظ هيبة السلطان، كما وقع ليوسف بن تاشفين رحمه الله لما بعث له ملك النصارى يتهدده، فطلب من كاتب الإنشاء كتابة الجواب عنه، فلما قرئ عليه استطاله وأخذ كتاب النصراني ووقع على ظهره: الجواب ما ترى لا ما تسمع! قيل وهو أول من وقع بذلك، فكان لها وقع عظيم على نفوس النصارى، ومن فوائد الاختصار أيضا تجنب الزلل ما أمكن فإن كثرة الكلام مظنة الزلل' وليست زلة الأمير كغيره من آحاد الناس وأفراد الرعية، ومن فوائده سد الطريق على المخالف المتربص لأن الكلام منافذ العقول والقلوب، ومنها كذلك إمكان استدراك ما يفوت في كلام لاحق، ولذلك قيل: الكلام كالسهام، فإن أصاب الدرية، وإلا لم يعد، والله أعلم.

3)أن يوكل كل حديث إلى أهله، فما كان من أمور الشرع والفتوى فإلى هيئة الإفتاء، وما كان من أمور الحرب والقتال فإلى وزارة الحرب، وما كان من شأن الاقتصاد فإلى المختصين فيه، وهذا مع ما فيه من الهيبة في نفس العدو، كما قيل لعمر رضي الله عنه: إنا إذا لاقينا الروم ورأيناهم يلبسون الحرير وجدنا لذلك روعة في نفوسنا، فقال عمر رضي الله عنه: فالبسوه أنتم كما يلبسوه هم، ففي هذا أيضا تجنب الوقوع في مزالق ومواقف لعلكم في غنى عنها أو أنتم بحاجة إلى تفاديها ولو إلى حين، كما أنه يجنبكم الوقوع في كثير من التصادمات في القرارات وعلى أرض الواقع، ونرى أن خطاب أبي حمزة حفظه الله الذي تعرض فيه للحزب الإسلامي من الأمثلة على ذلك، ولنا عليه بعض الملاحظات:

منها أنه خطاب من وزير الحرب، فتعرضه لبيان الحكم الشرعي الذي يعتقده في الحزب إعلان للحرب، والمفهوم من خطابه أن الدور قادم عليهم، وهذا تهييج لهم على العداوة، في وقت أنتم أحوج ما تكونون فيه إلى تحييد كثير من الخصوم، والمخرج الأمثل من هذا والله أعلم أن يوكل بيان مثل هذه الأحكام إلى هيئة الإفتاء، وهذا كاف يحصل به المقصود.

وأيضا فإن الإعلان عن تكفير قادة الحزب كما شمله البيان هو إعلان عن حكم اجتهادي قد يكون صوابا في نفس الأمر وقد يكون خطأ، وليس تكفير هولاء من أصول الدين المسلمة التي لا تقبل قولا ثانيا حتى يقال هي عقيدة الدولة، بل ربما كان من أهل العلم بينكم من يمتنع من تكفير الواحد المعين من هؤلاء، مع اعتقاده وقوعه في الكفر جريا على القاعدة المعروفة في هذا الباب عند العلماء رحمهم الله.

4)أن يراعى في الخطاب كسب المؤيدين والأنصار في الداخل والخارج، مع مراعاة مستويات المخاطبين، والحديث معهم بما يعقلون، ويتحكم في هذا الطبقةُ التي يوجه إليها الخطاب، فليس الخطاب الموجه إلى العلماء والمشايخ والدعاة وطلاب العلم، كالخطاب الموجه إلى المثقفين من أطباء ومهندسين ومعلمين ونحوهم، ولا خطاب هؤلاء كخطاب العامة من المسلمين، ولكل مقام مقال، على أن الذي يعين على هذا توكيل إعداد الخطابات إلى هيئة مختصة إن أمكن ذلك، ولسنا نرى حرجا في الاستعانة بخبرات الدولة السابقة ممن يرجى خيرهم وعلى الأقل إلى أمد محدود بإعداد الكفاءات التي تحتاجون إليها في مختلف المجالات، ثم إن لم يوجد الكفؤ في الولاية فلا بد من تعدد المُولَّى كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في قواعد السياسة الشرعية، وأما من نوصي بكسبهم من خلال الخطابات الموجهة:

-في الداخل: العشائر ومشايخ القبائل، وأنتم بحاجة إلى تعميق الصلة بهؤلاء عن طريق الدعوة أولا، وعن طريق المصاهرة ثانيا، وهم بعد ذلك مفتاح مهم لمد جسور الصلة بالعشائر والقبائل في الدول المحيطة بكم، ولا يخفى ما لهؤلاء من تأثير وثقل معنوي وسياسي على الدول المجاورة أتنم بحاجة شديدة إليه.

-وفي الداخل أيضا الأكراد لأنهم يشكلون ميزانا لأهل السنة في العراق، على أن تاريخهم مشرف في نصرة الإسلام والمسلمين، مع نزوع فيهم إلى عصبية قومية متوارثة يعرفها من قرأ كتب التاريخ، لكنّ هذه يمكن توظيفها في خدمة الإسلام كما وقع زمن الأيوبيين، ومراعاتها من باب مراعاة السنن الكونية في الدعوة إلى الله، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فلو جعلت له شيئا، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكما صنع النبي صلى الله عليه وسلم مع خالد حين ولاه مع تأخر إسلامه، وكما قال عمر رضي الله عنه عن عمرو بن العاص: ما كان لأبي عبد الله أن يمشيَ على الأرض إلا أميرا، وكثيرا ما كان إغفال هذا المبدأ سببا في المنافرة وتباعد القلوب، ومراعاته من أهم أسباب اجتماع الكلمة، لا كما يظن الكثيرون أن الوعظ والتذكير باجتماع الصف ووحدة الكلمة وأمر الله بذلك ونهييه عن التفرق والخلاف كاف في هذا الباب، وإنما مثل هذا كمثل من يملأ القاطرة بالوقود ويُغفل إعداد القضبان فأنى لها أن تسير؟! ولذلك قلنا: مراعاته من مراعاة السنن الكونيه، لأنه مراعاة لطبائع الناس وما جبلوا عليه وتوجيه ذلك في خدمة الشرع والدين، ألا ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم، مع نهيه عن العصبية الجاهلية، نصب لكل قبيلة في الحرب لواء؟ فلواء الأوس ولواء الخزرج، ولواء المهاجرين ولواء الأنصار، وعلى هذا درج أمراء المسلمين والقادة الفاتحون.

بل تأملوا في قصة كعب بن الأشرف وقصة قتل أبي رافع اليهودي، وكلاهما في الصحيح، وكيف كان التنافس الذي كان في الجاهلية بين الأوس الخزرج سببا لتنافسهم في الإسلام على قتل الطاغيتين، حتى ذكر الراوي أن هذا مما صنع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكونوا من هذا على ذكر، والله يتولانا وإياكم برحمته سبحانه.

-وفي الداخل أيضا في مراعاتكم لأحوال العامة من الناس، والتدرج معهم في الأمر والنهي، ما دام ذلك واسعا، كما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ كما في حديث الصحيحين لما بعثه إلى اليمن، وإهمال هذا كان من أعظم أسباب سقوط دولة الطالبان، ونفرة الناس منها، فإنها لم تستطع أن تكسب قلوب الناس لأسباب كثيرة هذا أحدها، فكان سكوت الناس عنها خوفا منها، مع انطواء قلوبهم على الكراهة لها، ومن أسباب ذلك الغلظة مع العامة، والظلم لهم، وإيثار الطالب على غيره، ومن هذا الباب نرى أن بيان الأمير أبي عمر حفظه الله الذي أشار فيه إلى إيجاب تغطية الوجه وفرضه فرضا على المرأة لا يخدم المصلحة الراجحة التي تنبني على تألف قلوب الناس من العوام خاصة في هذه المرحلة، مع أننا نميل إلى القول بوجوب تغطية المرأة وجهها للأدلة المعروفة في الباب، لكن المقصود هنا ترك أدنى المصلحتين تحصيلا لأعلاهما، وليس الخوف من ملتزم بأحكام الشرع قد ألف أحكامه وأشرب حب أوامره ونواهيه، ولكن الخوف مما تنطوي عليه قلوب العامة وهم الأكثرون من الكراهة والنفرة، وكان يكفي والله أعلم بادئ الأمرِ الأمرُ بالحجاب وحده مع ترك مسألة الوجه إلى حين ترويض القلوب على الطاعة، والله الهادي سبحانه، ثم إن أدلة جواز كشف الوجه مع ترجيحنا خلافها ليست بالضعيفة المتهالكه، بل هي أدلة قوية عند من أمعن النظر، كما يعلم من مصنفات الألباني رحمه الله، ولذلك قلنا من قبل: ما دام الأمر واسعا. والله أعلم.

-وحديثنا في هذه المسألة ليست لخصوصها، بل نريد التنبيه على ما يمكن أن يكون من مثيلاتها، وهي كثيرة جدا لا بد أنكم تواجهونها في الواقع. والله يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.

وفي الخارج تحتاجون إلى مخاطبة العلماء والدعاة خطابا يزيل كثيرا من الشبهات العالقة في أذهانههم، ويناسب الأحوال التي يعيشونها وما يمارس عليهم وعلى الأمة من تزوير وتلبيس للحقائق، وحبذا لو كان بينكم وبينهم اتصالات مباشرة عن طريق بعض الرسل، شريطة أن يكون الرسل هؤلاء ممن يحسنون أداء المهمة، لأن الرسول عنوان مرسله، ووجه لمن وراءه.

ودعوا عنكم مقولة إما معنا وإما علينا في حق المشايخ، لأن هؤلاء مفاتيح لمن وراءهم، فمن أمكن كسبه منهم فبها ونعمت، وإلا فكسب بعض تأييده أو تحييده على الأقل، وكثيرا ما يكون البعد وانقطاع الصلات سببا لمزيد النفرة والله المستعان.

5)وينبغي أن يجتنب في الخطاب الأسلوب الحماسي المعهود في خطب الجمعة، إلى أسلوب رزين هادئ ينبئ عن ثقة المتكلم بنفسه، ويشعر الآخرين برصانته ويفرض احترامه عليهم، وهذا يحتاج إلى تعهد وطول مراس، وقد كنا نتوقع أن نرى شيئا من ذلك في شريط الإعلان عن الدولة، غير المقتبس من كلام أبي عمر وكلام أبي حمزة حفظهما الله، كلقاء في حوار هادئ مع بعض المسؤولين أو القادة الميدانيين، بل فوجئنا ببعض من ظهر في الشريط يعلن عن الدولة وهو لا يحسن قراءة آية من القرآن! وهذه زلة ما كان ينبغي الوقوع في مثلها في هذا الموطن بالذات،

وما عساه يقول المتربص بكم إن رأى مثل هذا؟! بل إن المحبين لكم ساءهم ذلك، لا أرانا الله وإياكم مكروها.

الثانية من العقبات: عقبة الدول المجاورة، وخطورتها كامنة في تمرير كثير من المؤامرات من خلالها، وهي اليوم مهاد المكر والخديعة، لكنكم مع ذلك بحاجة إلى تحييد من تستطيعون تحييده منها، ثم جانب الضعف في هذه الدول هو نقل المعركة التي يريدون إشعالها على أرضكم إلى أرضهم متى كانت المصلحة تقتضي ذلك، ومن لم يَشْغل عدوه شُغل بعدوه، ولا يخفى أن هذا حيث لا يكون نقل المعركة خادما لمكر جديد، كما يقع الآن مع الروافض، مع التنبيه على أن التقاء المصالح ليس مذموما في كل وقت، لكنه يحتاج إلى ميزان دقيق، ومراجعة لأهل الخبرة والشأن وبالله التوفيق.

السابع وبه تخضر المرابع: أنتم في أشد الحاجة إلى العمل المؤسسي المنظم، في شتى المجالات والخبرات، والعمل على هذا من الأخذ بالأسباب التي أمر الله تعالى بها، ثم إن الأسباب تتفاوت مقاديرها بين زمان وزمان، ومن مكان إلى آخر، وليست أسباب القوة التي كانت زمن القتال بالسيف والرمح وبها تقام الدولة وتحمى البيضة، هي نفس الأسباب التي يحتاج إليها اليوم، في زمان أضحت فيه كثير من العلوم النافعة من أعظم أسباب القوة والتمكين، كما أن الجهاد ليس هو السبب الأوحد الذي يجب الأخذ به لإقامة الدولة، بل لا بد من الأخذ بمجموع أسباب وإلا تخلف المسبب، وأنتم حفظكم الله وإن كانت ينقصكم كثير من الخبرات، إلا أننا نحب تنبيهكم على أمرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت