فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 210

وقد روى البيهقي في السنن (18532) حديثَ ابنِ عباس مرفوعا: لا يكونُ قِبْلَتانِ في بَلَدٍ واحد. ثم قال: وقد أَجْلَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يهودَ بني النضير ثم يهودَ المدينة.

ويؤيدُ هذا ما ثبتَ في الصحيحين عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عند يهودِيٍّ على ثلاثينَ وْسْقًا من شَعِيرٍ رَهَنَها قُوتًا لأهله؛ قال ابنُ كثير: وفي روايةٍ: من يهودِ المدينة. وذكر ابنُ القيم رحمه الله في أحكامِ أهل الذمة احتمالَ كَوْنِهِ مِمَّنْ قَدِمَ المدينةَ للتجارة؛ أو مِنْ أهل خيبر، أو ممن لم يُحَارِبْ فَبَقِيَ علَى عَهْدِهِ؛ والأولان يردُّهما ظاهرُ الرواية التي أشارَ إليها ابنُ كثير.

وعلى كل حال فالأمر طويلُ الذيول؛ ويحتملُ الكثيرَ من البَسْطِ والأخذ الرد؛ والذي يَهُمُّنا فِي هذا المقامِ هو إثباتُ أن بني قينقاعَ كانُوا في المدينة وقتَ أُحُدٍ؛ وأنَّ ما ذُكِرَ من إجلائِهم قَبْلَها لم يَثْبُتْ من طَريقٍ صالحٍ للاعْتَمادِ عليه؛ وقد رُوِي ذلك عنِ الزهرِيِّ لكنهُ مرسلٌ ومَراسِيلُهُ لا يُعَوَّلُ عليها عندَ أهل العلم رحمهم الله، ولذا ضَعَّفَ خبَرَهُ هذا الشافعيُّ كما حكاه عنه البيهقي في السنن.

وإذ الأمرُ كما بينت فلا وْجْهَ للحُكْمِ على محمد بن عمرو بالوَهْمِ في حديثِ أبي حميد، لا فِي ذِكْرِ يومِ أُحُدٍ ولا في ذكر بني قينقاع؛ بلْ كونُ رُواتِهِ الثلاثة الذين رَوَوْهُ عنه من الثقات مع ما فصَّلْناهُ فيما مضى قرينةٌ على أنه ضَبَطَ ما رواهُ في هذا الخبرِ؛ والله أعلم.

وإرسالُ الحديث مرةً كما عند ابن أبي شيبة وإسنادُه أخرى ليس بموجِبٍ طعنا فيه فإن الراويَ قد يُسْنِدُهُ مَرَّةً ويُرْسِلُهُ أُخْرَى؛ وقد ينشطُ مرَّةْ فَيُفَصِّلُ فيه؛ ويُقَصِّرُ أُخْرَى فَيَخْتَصِرُ فِي حِكايته؛ وكلٌّ يرويه عنه كما سمعه؛ وبالله وحده التوفيق؛ وهو الهادي إلى أقوم طريق.

هذا ما يَسَّرَهُ اللهُ تعالَى في حالِ غُرْبَةٍ وارْتِحالٍ؛ وتَواتُرِ الهُمُومِ واشتِغالِ البال، فليَعْذُرِ الناظِرُ فيه؛ وليَكُنْ مِنْهُ في مَرْصَدِ الإنصافِ، فإنْ دلنا عَلَى خَطأٍ أصلَحناهُ إن شاءَ الله، ولا حَوْلَ ولا قوةَ إلا بالله.

وفقَ اللهُ الجَمِيعَ إلى ما يحب ويرضى؛ وزادَنا عِلْما وعملا؛ وأرجو أن لا يَنْسانِي الناظِرُ فِيهِ من الدعاء لي ولمشايخي ووالديَّ وأهلي وجميعِ المسلين.

وصلى الله وسلم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم وعلى كافة الإخوان ورحمة الله وبركاته.

وكتب: أبو الوليد الغزي الأنصاري

كان الله له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت