فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 210

فقدْ تأخَّرَ إلى ما بعدَ ذلك بِمُدَّةٍ، فإنه ليس في تاريخ إجلائهم حديثٌ يُعْتَمَدُ عليه، فكيف وقد عارَضَتْهُ الأحاديثُ المذكورةُ؟!.

ويكون من حَكَى إجلاءَهم وَقْتَ غَزْوِهِمْ إنما حكاهُ باعْتِبارِ ما آلَ إليه أمرُهم من بعدُ، فاخْتَصَرَ بعضُ الرواة الحكاية؛ ثم رّوَاها عنه مَنْ رَواها وانْتَشَرَتْ على هذا الوجه، واطَّلَعَ مَن اطلعَ عليها مُختَصَرَةً دونَ الاطلاعِ على الرواياتِ الأُخْرَى وما يَنْبَغِي أنْ يُضافَ إليها مِنَ القرائن فَظَنَّها هكذا على الحقيقة، فَبَنَى عليها ما بَنَى، ومِثْلُ هذا يَقَعُ في حِكايَةِ الأخبار كثيرًا؛ والله أعلم.

وأقولُ بعد هذا: أَخْشَى أنْ يكونَ أمْرُ إجْلائِهِمْ إلى أَذْرِعَاتٍ قبلَ أحدٍ قد اختلطَ على بعضِ رُواة الأخبار بما وَقَعَ لبني النضير؛ وليس هذا الاحتمالُ بعيدا؛ بل هو ممكنٌ جدا؛ خاصّةً مع تقارُبِ تاريخِ الغزْوَتَيْنِ؛ حتى إنَّ بَعْضَ العُلَماءِ كالحاكم ذهبَ إلى أنّهُما غزوةٌ واحدةٌ، ورأيتُ بعض المصَنِّفِينَ كابْنِ النجار في تاريخ المدينة المنورة المسَمَّى بالدًّرّةِ الثمِينةِ في تاريخ المدينة لا يَذْكُرُ الغزوةَ أصلا؛ وهكذا صنَعَ بعضُ المتأخِّرين، بلْ يَقْتَصِرُونَ على خَبَرِ بنِي النضيرِ وإجْلائِهِمْ، وهو أمرٌ حَرِيٌّ بالتَّتَبع والتحقيق، وعسى أن يُيَسِّرَ الله له وقتا آخر؛ والله المستعان.

وقد حكى ابن خلدون رحمه الله في تاريخه (2/ 424) : أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أّمَرَ بِهم عُبادَةَ بنَ الصامِت فمضى بهم إلى ظَاهرِ دِيارهم، ولَحِقُوا بخيبر، فإن صحَّ هذا فقد ذكرَ ياقوت ُفي المعجَمِ أن بينها وبين المدينة ثمانيةَ بُرُدٍ لمن يُرِيدُ الشام؛ وَفي السيرَةِ لأبي الحسن الندويِّ أنّها في الشمال الشرقِيِّ للمدينة على بُعْدِ سبعين ميلًا منه، وقد ذكر ياقوت أيضا أنها كانت سبعةَ حُصون؛ وكان فيها مزارعٌ ونخلٌ كثير؛ وهذه مسافَةٌ قريبَةٌ لا يَمْتَنِعُ معَها أنْ يخرجَ يهودُ بني قينقاعَ صُحْبَةَ ابنِ أُبَيٍّ لإدراك النبي صلى الله عليه وسلم في أحد كما في حديث أبي حميد؛ وربما صنعوا ذلك استعطافاَ للنبي صلى الله عليه وسلم بعدَ الذي كانَ مِنْهُمْ؛ والله أعلم.

ويمكنُ أن يُجمعَ بين هذا كلِّه بأنه لما غزاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ ثم وهَبَهُمْ لابن أُبَيٍّ أقامَ منهم في المدينة مَنْ أقام؛ ولَحِقَ جماعةٌ منهم بِخَيبر؛ كما وقعَ لبني النضير لما غَزاهُمْ وأَجْلاهُمْ فَلَحِقَ بأذرِعات مِنْ بلاد الشام مِنْ لَحِقَ؛ وطائِفَةٌ منهم لحقتْ بخيبر وهم آلُ أبِي الحُقًيْقِ؛ وآلُ حُيَيِّ بنِ أَخْطبَ، وربما كان بعضُ بني قينقاعَ لَحِقَ بالشام في أوّلِ غَزْوِهِمْ كما رُوِيَ؛ حتى وإنْ أُذِنَ لهم بالبقاءِ؛ لما أصابَهَمْ في غَزْوِهِمْ من الرُّعْبِ الذي نُصِرَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم لا زالوا يتلاحقون بخيبر بعدَ بني النضيرَ خاصّةً؛ حتى وقعَ غَزْوُ خَيْبَرٍ ثم صالحهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الأرض؛ وأَقَرَّهُمْ ما شاء الله، حتى أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم بإخراجهم جميعًا من جزيرةِ العرب؛ فأجلاهم عمرُ عنها رضيَ الله عنه، ويكونُ المرادُ بما رواهُ البخاريُّ عن ابن عمرَ هو ما انتهى إليه أمرُ جَميعِهْمْ من الإخْراجِ والإجْلاء حتّى لم يَبْقَ يهودِيٌّ في المدينة. والعِلْمُ عِنْدَ الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت