فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 210

وقصةُ شفاعةِ ابن أبي فيهم ثابتةٌ مشهورة؛ والشاهد هنا قوله: أقيموا قينقاع ولا تسيروا، فإنه يدل على أنه لما شفع فيهم ابن أبي؛ ووهبهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أُذِنَ لهم بالبقاء في المدينة، بل فيه دليلٌ على بقائهم إلى زمَنِ بني قريظة، وإلا فأيُّ مَعْنَىً لثناء الشاعر على ابن أُبَيِّ بهذا، وتحريضِهِ سعْدًا على أن يَصْنَعَ صنِيعَهُ، وما المرادُ بقوله: أقيموا قينقاع ولا تسيروا؟.

بل وجدتُ ما يؤيدُ هذا و يدلُّ على بقائِهم إلى ما بعدَ الخندق، وهو ما رواهُ ابنُ أبي شيبة في المصنَّفِ (16608) وعنه ابنُ أبي عاصمٍ في السنة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال لما أصابَنا سبيُ بني المصطلق اسْتَمْتَعْنا وعَزَلْنا عنهن، قال فَوَقَفْتُ على جارية في سُوق بني قينقاع؛ فمَرَّ بي رجلٌ من يهود، فقال ما هذه الجاريةُ يا أبا سعيد؟، قلتُ: جاريةٌ لي أبيعها، قال: هل كنت تُصِيبُها. قال: قلت: نعم، قال: فلعلك تبيعُها وفي بَطْنِها منكَ سَخْلَةٌ؟!، قال: قلت: ُ كنتُ أعزلُ عنها، قال تلك الموؤدةُ الصُّغرى، قال فجئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكرتُ ذلك له؛ فقال: كَذَبَتْ يهودُ كذبتْ يهودُ.

والحديثُ صححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (360) .

وغزوةُ بني المصطلق قد اخْتُلِفَ فيها؛ فَقِيلَ في السنةِ الخامِسَةِ في قَوْلِ الواقدي، وقال ابن إسحاق: في السادسة؛ وصحّحَهُ جماعةٌ منهم ابنُ حزم، وقال موسى بنُ عُقْبَةَ فيما حكاه عنه البخاريُّ في سنةٍ أربع، قال في إِمْتاعِ الأسماع (1/ 220) : وهذا خلافُ ما عليهِ الجُمْهُور، ثم ذَكَرَ ما يدلُّ على بُطْلانِهِ.

وعلى كل حال فأقلُّ ما قِيلَ أنّها كانت في سنةِ أربع؛ وهذا بعدَ أُحُدٍ بمدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ فإن أحدا كانت في السنة الثالثة من الهجرة في شوالٍ على رأس اثنين وثلاثين شهرا منها فيما حكاه الواقديُّ وابنُ سعد وعنهما الطبري، وعن أنس بن مالك أنها كانت بعد بدر بسنة، وفي هذا دليلٌ على بقاء بني قينقاعَ في المدينة إلى ما بعد أحد بمدة؛ والله أعلم.

والأحاديثُ التي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَانَسَ بِها لهذا أكثرُ مما ذكرناه؛ بلْ فيها ما يُشْعِرُ ببقائهم إلى أيّامِ خَيْبَرٍ أو بعدَها؛ والله أعلم؛ لكننا لا نُطِيلُ بذكر ذلك؛ فإن المقصودَ حاصلٌ بما أَوْرَدْناهُ.

وهذه الآثارُ أَثْبَتُ ولا شَكَّ مِن خَبَرِ إِجْلائِهِمْ قَبْلَ أُحد؛ فعليها الْمُعَوَّلُ في هذا؛ بل وتكونُ هذه الرواياتُ مُقّوِّيَةً لما يدلُّ عليه حديثُ أبي حُمَيد من وُجُودِهِم في المدينة يوم أحد.

وَجْهٌ يَزُولُ بهِ الإشكال:

والأشْبَهُ الذي يزولُ به الإشكالُ والله أعلمُ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمّا وَهَبَهُمْ لابن أُبَيِّ أقامُوا في المدينة إلى ما شاءَ الله كما دلَّ عليه حديث عائشة عند مسلم؛؛ وقد ذكرناه، أما إجلاؤُهُمْ عنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت