فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 210

-المثال الثاني؛ بدعة الإرجاء وآثارها:

وهاك مثالا يوضح المراد مذهَب الإرجاء الذي ضرب بِجُرَّانِهِ مشارق الأرض ومغاربها, حتى ورَّث الأمة أثارًا طالت العامة والخاصة من التهاون في الشرائع جملة, وإهمال العبادات, والجناية على المعاملات والأخلاق؛ بل آل الحال إلى تعطيل شرع الله بالكلية وعزله عن السلطان والحياة واستبداله بشرائع الكفر وقوانين اليهود والنصارى.

فانظر الآن في آثاره العملية على من ذكرت لك من المشايخ والعلماء والدعاة والأمراء والجماعات، مع أنهم يلهجون بذمه ويعلنون بحربه ويحذرون الناس منه ويخوفونهم عواقبه:

1)في التسليم لشرع الله والرضا بحكمه والنزول عند قضائه: فكم من مرات لا تحصى ولا تُعَد يقع بين فئات هذه الطبقة أفرادٍ وجماعاتٍ ما يقع بين سائر البشر من التنازع ودعاوى الحقوق ما يجب معه الرد إلى الله سبحانه وتعالى وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما أمر الله تعالى، لكنك إن شئت رأيت عند ذلك العجب العجاب من التباطؤ والتلكُّؤ والتولي والإعراض والاستنكاف ووجوهٍ من المعاذير لا تليق بالعامة الدهماء فضلًا عن الخاصة وحملة العلم والشرع من العلماء.

وما هذه البلية إلا لما رَبِيَ عليه المسلمون وأبناء المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة من إقصاء شرع الله وأحكامه عن سلطان القضاء والأمر والنهي، والذي كان أثرًا من الآثار العملية لمذهب الإرجاء، فنشأ الناشئ من هذا الوجه في حال يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية من التحاكم إلى الأعراف والعادات وموروثات الأباء والأجداد، والتظالم وتَرَفُّعِ الأكابر وعِلْيَةِ القوم وذوي الشأن والشرف منهم عن أداء حقوق المستضعفين من البشر.

واعلم أن الإنسان رهين الإلف والعادة، أسير الطبع والنشأة، لا يكاد ينفك عن شيء من ذلك - إلا ما شاء الله - وليس من نشأ في أرض لا ترفع بشرع الله وأحكامه رأسًا كمن نشأ في بلادٍ دِينُ الله تعالى فيها عزيز مرفوع, وجناب شرعه مصون ممنوع, وأحكامه نافذة قائمة, فإن في دين الله تعالى من المواعظ والحكم وشفاء الصدور وأدوية القلوب ما يروِّض النفس على التسليم لأمر الله والإذعانِ لحكمه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

2)وما أثمره مذهب الإرجاء من التكاسل والقعود عن العمل وترك المبادرة إلى الامتثال ترى آثاره في كثير من الجماعات والعلماء والمشايخ وغيرهم من الصفوة المختارة في التعلق بخطابات الأخبار الواردة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة - كأحاديث المهدي, ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام , وقتال الروم والترك واليهود حتى ينطق الحجر والشجر, وأحاديث الملاحم, وأخبار القحطاني, والسفياني, والرايات السود, وفتح القسطنطينية ورومية, وما جرى مجرى ذلك كحياة الخضر وإلياس عليه السلام , وكالرؤى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت