فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 210

-وتأمَّل في حال جماعة من المشايخ والعلماء ممن قعد بهم"التوكل على الله"عن القيام بما أوجبه الله تعالى من دفع العدو الصائل على بلاد المسلمين والذَّبِّ عن دينهم وحريمهم، حتى أفتَوْا تلامذتهم وأتباعهم والمسلمين بأنّ ذلك لا يجب عليهم، بل سمعت منهم من يفتي بأنّ المسلم يسعه القعود في بيته ولا يقاتل إلا إن قُصد في محله ومنزله، ولو أتى العدو على بلاد الإسلام كلها.

وآخرون؛ يريدون أن لا يدعوا عدوا على وجه الأرض إلا ناشبوه الحربَ والقتال في آن واحد ووقت وواحد"توكلًا على الله"، دون مراعاة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتبارٍ لسيرته في جهاده لعدوه، مع أن لازمَ قولهم هذا الطعنُ في توكل النبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى في جهاده لعدوه، إذ لم يصنع ذلك، فانظر إلى الجهل ما يصنع بأهله.

-وفريق آخر لا يفرِّق بين ما يجب على المسلمين في حال الضعف وما يجب عليهم في حال القوة، فهو يريد أن يقاتل الروم بعدة أصحاب بدر، ويحتجون بمثل قوله تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} ، ونحو ذلك من الآيات، وأن الله على كل شيء قدير, ولو شاء الله أمدنا بملك الجبال, وغير ذلك مما هو حق في نفسه لكن يستدل به في غير محله ويوضع في غير موضعه.

-ومنهم من اختصر ذلك كله؛ فزعم أن المسلمين لا ينقصهم إعداد ولا عدة، وإنما يعوزهم تنصيب خليفة يجمع كلمتهم وينظم عقدهم، فجعلوا الخلافة اسمًا لا مسمى له, ولفظًا لا معنى له, ودعوى لا حقيقة لها, وجاءوا من ذلك بما يُضحكُ الثكلى ويشمِّت الأعداء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

-وتأمل أيضا فيما يقع في أوساط المجاهدين من التهاون في الأخذ بالأسباب مع أن الله تعالى أمرهم بها أمرًا خاصًا كما في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ... الآية} ، وكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} ، وكما في قوله تعالى في صلاة الخوف: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} ، وغيرها من الآيات.

ومع هذا ترى من تهاون الأمراء وأجناد المجاهدين ما تراقُ معه كثير من الدماء وتفوت به الأنفس بغير حق، بحجة التوكل على الله وبيعِ النفس له والطمع في الشهادة في سبيله والشوق إلى لقائه.

وغير ذلك مما يُتَعذَّرُ به وليس بعذر على التحقيق، بل التقصير في ذلك من أعظم الأدواء التي يتأخر بسببها النصر ويتخلف لأجلها الوعد بالتمكين, وسنبسط هذا إن شاء الله تعالى في موضعه من هذه المقالات، وبالله وحده التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت