فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 210

فإنها لما نسيت حظًا مما كان عليه رجالها الأولون، وكثر فيها الموالون للفرنجة والمرتشون، حتى أصبح ذلك سببًا لانتهاب خيرات البلاد واستعباد أهلها، ومنحت الدول الأجنبية والأقليات الكافرة امتيازات حملت الدولة على تغيير قانون الشريعة وإنشاء محاكم خاصة بهم، مع ما كان بين سلاطينهم من النزاع على الملك والحكم وكثر بينهم القتل والخلع لأجل ذلك، حتى ابتدعوا بدعة قتل إخوة السلطان عند توليه - ولو كان رضيعًا - وفشا فيهم ظلم الرعية وفرضت الضرائب والمكوس التي أثقلت كواهل الناس لسدِّ حاجة أرباب القصور المترفين المتنعمين, وانتشرت مع ذلك العصبيةُ المذهبيةُ والقومية, فتبدل الحال غير الحال, وسلط الله عليها الأمم الأوروبية الكافرة - كما سلط التتار من قبل على المسلمين في شرق العالم الإسلامي, فأبادوا الدولتين السلجوقية والعباسية -

ألا تلك سنة الله في الحياة والصراط السوي والنظام المستقيم.

مرآة التاريخ:

فيا سعد حدثنا بأخبار من مضى فأنت خبير بالأحاديث يا سعد

ولا يذهبن وَهلكَ إلى الظن بأنه لا علاقة بين ما تقدم من الحديث عن الأدواء وعلاجها وبين أمم قد مضت وبادت, ولم يبق منها إلا رسوم وآثار، خاصة وأنت ترى أمة المسلمين اليوم لا دولة لها ولا سلطان, وقد تعاورتها المحن, وحلَّ بسوحها الخطوب, ولم يبق فيها من يسعى إلى ذروة المجد ويأخذ بيدها إليه، إلا فئام من الغرباء هنا وهناك.

فاعلم أيدك الله أن هؤلاء الغرباء - وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم - هم أحوج الناس إلى اجتلاء وجوه العبر, واستخراج العظات والحكم من أخبار من غبر, وأحق الناس بهذا رؤوس القوم وأمراؤهم وقوادهم.

كما قال العلامة المؤرخ"مَسْكويه"في كتابه"تجارب الأمم": (فليعتبر الناظر, هل أُتي هؤلاء الملوك إلا من سوء تحفظهم, واشتغالهم عن ضبط أمورهم وتفقدها بلذاتهم وشهواتهم, وإغفالهم أمر أصحاب الأخبار, وتركهم تعرف نيات وزرائهم وقوادهم, وأمور عساكرهم, وتعويلهم على الاتفاقات والدول التي لا يوثق بها, وقلة تصفحهم أحوال الملوك قبلهم ممن استقامت أمورهم؛ كيف كانت سيرتهم؟ وكيف ضبطوا ممالكهم ونيات أصحابهم بضروب الضبط, أولًا بالدين الذي يحفظ نظامهم ويملك سرائرهم, ثم بأصحاب الأخبار الثقات والعيون المُذْكاة على مدبري أمورهم والتفقد لهم يومًا يومًا وحالًا فحالًا, وترك إيحاشهم - ما أمكن - ومداراة من تجب مداراته, والبطش بمن لا حيلة في استصلاحه ولا دواء لسيرته) أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت