قال: (لا تناشدني فأنت منْطَوٍ على الغش) , وأمر بضرب عنقه! وكإبراهيم بن إسماعيل الصائغ الذي دخل على أبي مسلم؛ فأمره ونهاه فقتله [1] .
وكأبي خالد بن هبيرة الذي كان نائب مروان، فحاصره المنصور ثم خدعه وأمَّنه ونكث عهده، فدخلوا عليه داره وقتلوه صبرًا, وقتلوا ابنه داود, وعددًا من الأمراء غدروا بهم [2] ومماليكه وحاجبه, فلما أحيط به سجد لله؛ فنزلوا عليه وهبروه وكان السفَّاح يلح على أخيه أبي جعفر المنصور بقتله, وهو يراجعه لكونه قد حلف له وأمَّنه, وأبو مسلم هو الذي يغري السفاح بقتله [3] .
وهذا الحال الذي سمعت؛ أوقع كثيرًا من ساسة العباسيين وقادتهم وكثيرًا من المسلمين في الجهل وقلة التبصر بأحوال من يحيط بهم من الأمم وحقروا شأنهم لجهلهم بهم, وشغلوا عن الغاية الكبرى من الدولة والسلطان بما ترى, حتى اجتاحتهم جيوش التتار وجاسوا خلال الديار وأهلكوا الحرث والنسل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-مثال الأندلس:
وهكذا حال المسلمين في الأندلس ركدت فيهم سوق العلم بعد قيامها, وسكنت رياح الجهاد بعدما كانت خفاقة أعلامها أوائل أيامها, فكانوا أعزة على الصليبيين قرونًا وقرونًا, لا تلين لهم قناة ولا مغنم فيهم لطامع.
حتى أشار على الفرنجة رجل من الموالين لهم يقال له"برَّاق بن عمار"بأن يعقدوا مع المسلمين معاهدة لحرية التجارة والتعليم والدين لتقل فيهم الحمية والنخوة ويخضعون ويُطْرَدون, ووصلت المعاهدة إلى ابن عبَّاد بقرطبة وقد فرغ من تحصين مدائنه وقلاعه حتى أرسلها للأمراء فأقروها, ووقعت المعاهدة مع الفرنجة بأمر البابا وبارونات أوربة ودوق فينيزيا واحتفل المسلمون فرحًا بذلك, حتى كانت نعال خيول بعض أمراء المسلمين في الحفل من الذهب - كما قيل -
ولم يسمعوا لِمُنْكر, ولم يصغوا لناصح، ففتحت في الأندلس مدارس الصليبيين, وأسست أربع مدارس كبرى على نفقة دوق فينيزيا, وصار عدد المبشرين ألفًا وعدد المعلمين في المدارس - التي ينفق عليها البابا - خمسة وأربعين معلمًا, وأنفقوا لترويج الخمر نحو
(1) السير: 6/ 53، وكان إبراهيم يقول: (لما رأيت العرب وصنيعها حفت أن لا يكون لله فيهم حاجة, فلما سلط عليهم أبا مسلم رجوت أن تكون لله فيهم حاجة) .
(2) السير: 6/ 60.
(3) السير: 6/ 74.