الزنادقة القائلين بـ"خلق القرآن"التي عرفت بـ"محنة أحمد"رحمه الله [1] وامتحن فيها عدد من الأئمة رحمهم الله، منهم محمد بن نوح الجَنْدَيَسابوري ومات في الطريق, ونعيم بن حماد الخزاعي ومات في السجن, وأبو يعقوب البويطي الشافعي ومات في سجن الواثق [2] - وذكر شيخنا أبو محمد السندي بديع الدين شاه الراشدي رحمه الله في مقدمة"بديع التفاسير"جماعة كثيرة سواهم -
ثم إن العباسيين فشا فيهم الترف والإسراف وحياة المجون واللهو والانحلال, والتعدي على المبادئ والقيم وتجاوز الأخلاق والمثل, فنسوا حظًا ممَّا ذُكِّروا به, وغفلوا عما جعل الله سبحانه وتعالى الملك والسلطان وسيلة إليه؛ من إقامة دينه, والتمكين لشرعه، فتعاظم الظلم من الولاة والعمال والقضاة, حتى وَهَى ركن الدولة وضعف عمادها.
فكثر الخارجون عليها المناوئون لها، كالزنج الذين قادهم محمد بن على في نحو سنة 255 ودامت فتنته نحو خمسة عشر عامًا قتل فيها نحو ألف ألف أو يزيد من المسلمين - كما ذكره العماد الحنبلي في"شذرات الذهب"- وكالقرامطة المنتسبين إلى رجل يقال له"حمدان الأشعث"يلقب بـ"قرمط"، والذين فشا أمرهم حتى أغاروا على مكة سنة 317 واقتلعوا الحجر الأسود.
وكان مما بلغ إليه ظلم العباسيين أن قالوا لأبي مسلم الخراساني: (اقتل من شككت فيه, وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل! وأيما غلام بلغ خمسة أشبار واتهمته فاقتله) ! حتى قتل أبو مسلم بسبب هذا على ما قيل نحو ستمائة ألف - 600000 - صبرًا بدون حرب.
بل قتل جماعة ممن كانوا أنصارًا للدعوة العباسية؛ كأبي سلمة الخلال الذي نصرها بماله وكانوا يتهمونه في أمر البيعة لهم وأنه كان يحدث نفسه أن يبايع علويًا [3] , وكأمثال سليمان بن كثير الذي اتهم بميله للعلويين، فأحضره أبو مسلم وقال له: (أتعلم قول الإمام لي: من اتهمته فاقتله؟) ، قال: نعم، قال: (فإني قد اتهمتك) , فخاف سليمان وقال: ناشدتك الله,
(1) قال الشيخ محمد يوسف بن محمد زكريا البنوري الحسيني في"يتيمة التبيان في علوم القرآن": (فكان من جراء ذلك حدوث فتنة أحمد بن حنبل الإمام وأصبحت"محنة أحمد"عنوانًا لتلك الحادثة التاريخية في كتب التاريخ) [ص9] .
(2) يتيمة التبيان للبنوري الحسيني: ص10.
(3) سير الأعلام: 6/ 58.