ومما يذكر عن جبروته؛ أن يزيد بن خالد بن عبد الله القسريِّ كان قد قاتله ثم ظفر به، فاستدناه ولف على أصبعه منديلًا ورصَّ عينه حتى سالت، ثم فعل ذلك بعينه الأخرى، وما نطق يزيد بل صبر - نسأل الله العافية -
وكان أبو العباس السفَّاح وأبو جعفر المنصور قد بايعا"النفس الزكية"من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجرى ما جرى حتى باءت دولة الأمويين بالوبال, وأخنت بنت الدهر عليهم بالفناء والزوال, ولله الأمر من قبل ومن بعد.
-مثال الدولة العباسية:
مرت الدولة العباسية بعصرين؛ عصر ارتفاع من أول نشأتها سنة 132 إلى سنة 218، وعصر هبوط وانخفاض من خلافة المعتصم إلى سقوطها, وكان الناس يشيعون زمن الأمويين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم العباس بأن الخلافة تؤول إلى ولده [1] .
وذكر الذهبي في"السير"؛ أن الناس كانوا يحبون آل العباس وآل علي ويودون أن يؤول الأمر إليهم حبًا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضًا لآل مروان, فكان من صنيع الله تعالى بالأمويين لما أراد زوال ملكهم وقيام دولة العباسيين؛ أن قامت الدعوة السرية لبني العباس تحت ستار الدعوة لآل البيت على رأس القرن الثاني الهجري, ولما تسرب بعض أمرهم إلى بني أمية؛ هرب السفَّاح وإخوانه وأعمامه إلى العراق واختفوا بها عند شيعتهم, فلما قدموا الكوفة أنزلهم في حوزته أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال [2] والذي كان يقال له"وزير آل محمد", وخرج في الدعوة إليهم الداهية الكبير أبو مسلم الخراساني [3] ، ذهب على حمار بإكاف من الشام إلى خراسان وعاد بعد نحو تسع سنين بكتائب كالجبال ليقلب دولة ويقيم دولة.
فلما استتب الأمر وقتل مروان بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في الكوفة شهر ربيع الأول من سنة 132, وآل إليهم الأمر؛ غدروا بأبناء عمهم العلويين وجعلوا الخلافة غرضًا للمال والسلطان، فكثر النزاع على ولاية العهد وتآمر الأمراء بعضهم على بعض لأجل ذلك, وكثر فيهم ما بدأ في زمن بني أمية من التفريق بين العرب وغيرهم من المسلمين, وفرض الجزية والخراج عليهم, وشاع أمر الفرق الضالة وذاع, وطبقت الآفاق بدعة
(1) وهو حديث ضعيف لا يثبت كما نبَّه عليه الذهبي في السير: 6/ 58.
(2) السير للذهبي: 6/ 58، فما بعدها.
(3) حتى قال فيه المأمون الخليفة: (أجلُّ ملوك الأرض ثلاثة الذين قاموا بنقل الدول, وهم الاسكندر وأردشير وأبو مسلم) , قال الذهبي: (كان أبو مسلم سفاكًا للدماء يزيد على الحجاج في ذلك) [سير الأعلام: 6/ 48] .