وما وقع في أواخرها خاصة من التناحر والقتال وتدبير المكائد والتظالم خدمة للشهوات النفسية وطمعًا في المآرب الشخصية من التنازع على الملك والتنافس على السلطان، مع ما وقعوا فيه من الإسراف والبذخ وبذل الأموال في شراء الذمم وجرِّ الولاء، مع إيثار المجون واللهو وحياة الترف, حتى مع ما وقع من تشكيك بعض المؤرخين في صحة المروي من ذلك وكون الكثير مما ذكر قد شيب بالمبالغات فإن جزءًا صحيحًا من ذلك لا يمكن إنكاره.
وأما الظلم؛ فحسبك أن يكون من ولاتهم رجل كالحجاج وابن أخيه عمر, وإن كان فيما ينسب إليهما من أخبار مبالغة أيضًا [1] , وكان من شأن بني أمية أنهم لا يستوزرون أحدًا من غيرهم بل كانت السيادة التامة للعرب وكانوا يتعصبون لهم, ويظلمون غيرهم من أمم القبط والنبط والروم والفرس والترك والسودان والبربر, ومن أسلم من هؤلاء كانوا يحوزون ما يملك ويستحوذون عليه، وربما فرضوا على بعضهم الجزية وفي أرضهم الخراج, لحاجة الدولة والسلطان, خلافًا لما استقر في الشرع القويم من إعفاء المسلم من ذلك كله.
ويذكر عنهم أنهم كانوا يلزمونهم بالخروج للقتال معهم, ثم لا يساوونهم بأنفسهم بل يخرجونهم مشاة بلا رزق ولا فيء, والله أعلم بكل ذلك, فأثَّر هذا في نفوس الكثيرين من هذه الأمم؛ فكثر المخالفون والخوارج, واستفحل أمر الخصوم, واستغل هذا الدعاة من آل البيت العلويين والعباسيين, وقام بنشر دعوتهم في العراق وخراسان أبو مسلم الخراساني.
حتى إذا ما آل الأمر إلى آخر ملوك بني أمية مروان بن محمد بن عبد الملك المعروف بـ"مروان الحمار" [2] , وكانت أمه أم ولد، بطلًا شجاعًا داهية، كثرت البثوق عليه - كما قال الذهبي - من خوارج المغرب ومن القائمين ظاهرًا وبمكة والجزيرة، وكان مع كمال أدواته للملك لم يرزق سعادة فيه، بل اضطربت الأمور بعد أن بويع بالخلافة سنة 127, ودوخ الخوارج بالجزيرة, وجرت له وقائع وحروب كثيرة مع خصومه، حتى سار لحرب"المسوِّدة"فالتقى بهم وعليهم عبد الله بن علي - عم السفَّاح - الذي كان قد جهزه لحرب مروان فالتقوا في جمادى الآخر سنة 132، فانكسر جمع مروان وفُلَّ حدُّه, وفر إلى فلسطين، ومنها إلى صعيد مصر، حتى أدركوه وبيتوه هناك عند بلدة يقال لها"بوصير"، فقاتل حتى قتل عن اثنتين وستين عامًا.
(1) طالع كتاب"أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ".
(2) ترجمه الذهبي في السير: 6/ 74, قيل سمي به لصبره وجلادته, وقيل: العرب تسمي كل مئة سنة بالحمار فلما قارب ملك بني أمية مئة سنة لقبوا مروان به, وهو مأخوذ من حمار العزير.