سنة الله في الجماعات والدول:
لقوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوآ أَمْثَالَكُمْ} , ولقوله سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} , وما قصه الله تبارك وتعالى من أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} ... إلى قوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} .
هكذا سنة الله في الأمم والجماعات والدول، تبقى فتية حية قائمة على سوقها ما دامت تنفع الخلق وترعى مصالحهم وتقيم العدل وتمنع الظلم, حتى إذا ما كسد سوقها وبارت بضاعتها وسُخرت الدولة والسلطان مطية للأهواء والشهوات؛ تعطلت عن مقومات البقاء، وصار عدمها أنفع للناس وأرحم بهم من وجودها.
وعلى هذا المعنى يفهم ما قاله الشيخ أبو العباس النميريُّ بن تيمية رحمه الله؛ في إقامة الدولة العادلة مع الكفر وزوال المسلمة مع الظلم, وهو المفهوم مما ورد في الأحاديث من أن الروم لا تزال منهم بقية، مع ما ذكر عنهم من أنهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة وكرَّة بعد فرَّة، وأحسنهم لضعيف ويتيم ومسكين - وهو في صحيح مسلم رحمه الله -
قال العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله: (فحينما تتعدى المدنية حدودها الطبيعية، وتخرج عن مدارها، وتنسى القيم الخلقية كليًا، أو تكفر بها صراحة وعلنًا, ويتغافل الإنسان عن كل غاية نبيلة ومقصد شريف, وعن كل واقع وحقيقة غير الحقائق المادية وتحقيق مآربه الجسدية وإرواء ظمأه الحيواني, وحينما يحل محل القلب الإنساني قلب الذئب والنمر والفهد, وتتكون في جسده معدة خيالية أو صناعية ونفس أمَّارة بالسوء لا يقر لها قرار ولا يضبطها وازع أو رادع, وحينما تصيب الإنسانية نوبة شديدة من الجنون يبعث الله لها جماعة من الجرَّاحين أو عصابة السفَّاحين وتأتي لأورامها المنتفخة سكاكين من ظهر الغيب تقضي عليها وتقطع دابرها وتستأصل شأفتها) [1] .
وفي الكتاب العزيز قول الله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} .
روى ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} قالوا: يارسول الله! من هؤلاء
(1) السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي: ص62.