هكذا الكون كله قائم على هذا الأصل الأصيل وركن السنة الربانية الركين!
-الحبة التي تغرس ويتعهدها الزارع بالسقي والغذاء وما تحتاج إليه من الضوء والهواء؛ تنمو وتخضر فتبهج الزراع، ثم تؤتي أكلها, فإذا انتهى دورها, وتعطلت منفعتها صارت حطامًا وعادت كأن لم تكن! وكذلك حالها إن أهملها الزارع ولم يتعهدها بمقومات الحياة عُجُُِّل لها بالموت والنهاية.
-في الأحياء من البهائم والطير ما لا ينقضي معه العجب, مما ذكره علماؤنا الأولون، أو كشف عنه الباحثون المتأخرون؛ كالذي يقع في مملكة النحل مثلًا، فإنه متى حان موسم اللقاح تنافست الذكور أيهم ينالها، حتى إذا فاز الحظي بها اجتمعت عليه عاملات الخلية فقتلنه وتركنه صريعًا!
-وكالذي قرأته من نحو عشرين عامًا أو يزيد في كتاب"غريزة أم تقدير إلهي"، عن النمل، وأن من بينه جماعات إذا بلغت من عمرها سنًا معينًا واقترب موعد الشتاء عمدت إلى الطعام فأكلت منه حتى تمتلئ، ولها أجسام قابلة للتمدد، ثم تأتي أماكن معدة لها في ممالكها وتتعلق في سقوفها على هيئة معينة، فتموت وتيبس، ويبقى ما في أجوافها من الطعام على حاله, فإذا كان الشتاء واحتاجت جماعات النمل إلى الطعام شققن عن بطونهن واستخرجن ما فيه، فتغذين به!
-والإنسان يولد ثم يشب ثم يبلغ أشده، فيتعلم ويُعلِّم, وينكح ويطلب الذرية, ويسعى ويكدح ما دامت فيه القوة والقدرة، حتى إذا ما يبس عوده بعد اخضراره, وصار روضه ذاويًا من بعد ما كان مجَّاج الثرى؛ فتعطل حينئذ نفعه، صار كأمس الذاهب, وخلا عن هاتيك المواهب, وعاد حديثًا من أحاديث الزمان, وانتصب خبرًا لكان, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-وعليك أن تضع نصب عينيك ما سأذكره لك خلاصة لهذا وأمثاله، وأن لا يفارقك ذلك ما حييت, فإنك إن فعلت رجوت من الله تعالى أن يفتح لك من الفهم ما أُغْلِق وأن يلهمك قذف داء الباطل بدواء الحق فتصيب البُّرء بإذن الله.
إنه لا مكان في هذه الحياة الدنيا للبطَّالين الخاملين، ولا العجزة الكسالى, ولا لمن يؤثر الراحة والقعود على العمل والعطاء, لا من الأفراد ولا من الأمم, بل لا يفوز أحد من هذه الدنيا بطائل إلا بعد النصب والتعب، وإلا فإن الله تعالى قادر على أن يخلقنا نائمين على فراش الراحة، نأكل كما يأكل الدود, تلك سنة الله تعالى وحكمته التي اقتضت أن تكون دارنا دار الامتحان ومحل الابتلاء, بل كل شيء تعطل في الكون عن المنفعة التي خلق لأجلها آل إلى زوال وفناء.