قال قتادة: (الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة) .
وفي مرفوعات الأحاديث ما يؤيد ذلك, كقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها) [1] .
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو يعلى عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خلق الله عز وجل ألف أمة، منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر, وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت تتابعت مثل النظم إذا قطع سلكه) [2] .
وأكد هذا في الآية بقوله سبحانه: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} ، قيل: حشرها الموت, وقيل - وهو الصواب: يوم بعثها يوم القيامة، لقوله سبحانه: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} .
فأقام الله تعالى هذه الأمم وطوائف المخلوقات كلاَّ بنظامه يجري على ناموس لا يختل, وأعطى كلاًّ منها خلقه وهدايته لمعاشه, ونظم أحواله وأحكم ألفته, وهو الذي رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها, وجعل لها قوانين وآدابًا وأحوالًا على قدر طاقاتها, وسياسات تخدم الغاية التي لأجلها خلقت.
والله جل وعلا قد أرشدنا إلى الاعتبار بكل ذلك، فأنزل علينا في الكتاب سورًا بأسماء مخلوقاته التي أودعها في صفحة الكون المعمور - كالنمل والنحل والعنكبوت - فهذه وغيرها من سباع البهائم وجوارح الطير، وحتى الحيتان في الماء، ساعيات إلى الحكمة من وجودهن، وعلى قدر رسالتهن في الحياة؛ ألهمهن الله تعالى ما يحتجن إليه في أدائها والقيام بها.
ألا ترى ما ذكره العلماء؛ عن النحل كيف يسوس خليته, والنمل كيف يحفظ مدنه وما تحويه كلٌّ منهما من بديع التراتيب وعجائب النظام, وما فيهما من الوزراء والأجناد والقواد والعساكر والخدم والحرس, وما تشنه من الغارات والحروب, وما يقع فيها من القتلى والأسرى والجرحى؟!
(1) الحديث أخرجه الأربعة في السنن كما في"الدراية في تخريج أحاديث الهداية": 2/ 254, وهو عند الترمذي: 4/ 78 وقال: وفي الباب عن ابن عمر وجابر وأبي رافع وأبي أيوب, وقال: حديث حسن صحيح, وعند أبي داود في المسند: 3/ 108, وعند النسائي: 7/ 185، حديث: 4280, وعند ابن ماجة: 2/ 1069, ح3205, وعند الدارمي: 3/ 125, وذكره الهيثمي في المجمع عن ابن عباس مرفوعًا من رواية أبي يعلى والطبراني في الكبير والأوسط, قال: وإسناده حسن, ومن رواية الطبراني في الأوسط عن عائشة قال: وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ثقة لكنه مدلس [مجمع الزوائد: 4/ 42] .
(2) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى في الكبير وفيه عبيد بن واقد القيسي، وهو ضعيف.