فقال شيخ الإسلام: (كلا، بل جاوبت على سؤال مولانا أدق الجواب, فمتى كانت عناية رجال الدولة وأفراد الأمة يما يخصهم أنفسهم فقط دون التفات إلى ما يعم ضرره الجميع أو يشمل نفعه قائلين؛ مالي ولهذا الأمر؟ فقد طَمَّت البليةُ وعَمَّت المصيبةُ لانصرافهم إلى منافعهم الشخصية دون النفع العام) ! , ولما شرح شيخ الإسلام كلامه هذا الشرح؛ أعجب به السلطان جدًا وخجل من عتابه، وسعى في إرضائه سعيًا بالغًا، وأنعم عليه ثلاث خِلَعٍ فاخرة، كما أنبأنا بذلك التاريخ [مقالات الكوثري: 384] .
علة العلل في طروء الخلل:
واعلم أن العلل المذكورة ومثيلات لها؛ راجعة إلى علة هي منشأ ذلك كله، وهي فهم المسلم للغاية التي لأجلها خُلق، ومعرفته برسالته ودوره في الحياة.
ألا ترى صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم والصدر الأول والطليعة المباركة من الأمة، لما فهموا مغزى الدين وأهدافه على سبيل الإجمال؛ كيف أطار نومهم, وأيقظ أجفانهم, وأنار عقولهم, وفتح بصائرهم, حتى هجروا الأوطان وفارقوا الأهل والخلان, وطاروا به إلى الشرق والغرب، سراجًا هاديًا وقمرًا منيرًا.
فليت شعري ما الذي أدركوه وفاتنا؟! وما الذي فهموه وغاب عنا وعن أذهاننا؟! وكيف غطت عليه عوائد الأيام؟! وكيف ضلت عن إدراك كنهه الأفهام؟!
تقعيد وتأصيل؛ لا معطل في الكون والحياة:
على قدر وعي المسلم لدوره في الحياة وإيمانه بالغاية التي لأجلها خُلق؛ تكون انطلاقته، واستيعاب هذا على الوجه الصحيح هو الطريق الأمثل لبعث الهمم واستنهاض العزائم وشموخ الإرادة.
ولا يختص بذلك المسلمون وحدهم، ولا أمة المسلمين وحدها فحسب، بل تشترك فيه جميع الأمم عربيها وعجميها, أبيضها وأسودها, قديمها وحديثها, وما من أمة من الأمم إلا وهي تسعى إلى غرس بذوره وتعميق جذوره وتعهد ثماره بالحفظ والرعاية ليكون الدافع الأول والمحرك المستمر الذي يضمن لهم الغلبة في صراع البقاء.
وأبعد من هذا كله أنه موجود في جميع المخلوقات والأمم التي أخبر الله تعالى عنها بقوله سبحانه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} , وقوله سبحانه: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} ، يعني في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها.