فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 210

ومنها؛ دعوت فلم يُسْمع لي، ونصحت فلم يقبل مني، فيرجع القهقرى ويترك الورى وكأنه لا يسمع ولا يرى, وكم فات من الخير لأجل ذلك، وكم حصدت أمتنا بسببه من الشرور، وهو دليل إهمال المصالح العامة وتقديم مصلحة النفس عليها, بل هو تقطيع لأوصال الأمة وتفكيك للروابط التي بينها.

ويحتجون لذلك بمثل ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ، أنه قال: (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قُبِلَ منكم, فإن رُدَّ عليكم فعليكم أنفسكم) .

وحاصله؛ أن القول إن لم ينفع يترك, والحق أن الاتكال على هذا ومثله من أقوال الأئمة المجتهدين - وإن كان يمكن حملها على أحسن الوجوه - أودى بالمسلمين وأقعدهم عن القيام بما يجب من الجهاد بالقلم واللسان والحجة والبيان, والتحيل في إيصال الحق إلى الناس كافة وبكل وسيلة أمكنت.

ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث يدعو قريشًا إلى الإسلام نحو ثلاثة عشر عامًا, كلما صدوا عنه من وجه أتاهم من غيره، حرصًا على هدايتهم إلى الدين الحق.

ثم إن الأمة كنفس واحدة، وإصلاحُ الفرد منها إصلاح للجميع، كما أن عطب فرد منها عطب لهم.

والصواب في تفسير الآية ما روي عن ابن المبارك رحمه الله أنه قال: ( {عليكم أنفسكم} ، هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لأن الله تعالى قال: {عليكم أنفسكم} ، يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضًا ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات, أي احفظوا أنفسكم وذلك بالأمر والنهي) .

ومن القصص التي تناسب هذا المقام؛ ما وقع لشيخ الإسلام الثاني والعشرين في الدولة العثمانية الإمام العلامة محمد بن سعد الدين بن حسن جان التبريزي - المتوفَّى أوائل القرن الحادي عشر الهجري - حيث بعث السلطان أحمد الأول - باني الجامع المنسوب إليه قرب آيا صوفيا - كبير حجابه بخط سلطاني يسأله فيه: (ما هو الخلل الطارئ على كيان الدولة وشئون الرعية مع النصر الموعود لهذه الأمة؟) ، فأخذ الشيخ الخط السلطاني من كبير الحجاب وكتب تحته بعد مدِّ باء الجواب على الوجه المعتاد في الافتاءات: (ما لي ولهذا الأمر؟ كتبه محمد بن سعد الدين) , وأعاد الورق إلى السدَّة الملكية، فاحتد السلطان غضبًا واغتاظ جد الغيظ، حيث اعتبر أن شيخ الإسلام لم يلتفت إلى سؤاله، فطلبه للمثول بين يديه في الحال, فحضر وأخذ السلطان يعاتبه مُرَّ العتاب - على خلاف ما هو المعتاد من التسامح مع مشايخ الإسلام - وقال: (كيف تقول؛ أنا مالي في أمر يهمني جدًا وتهمل الجواب؟!) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت