فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 210

والله تعالى يقول: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ... الآية} ، فتأمل كيف قدم قتلهم للعدو على قتل العدو لهم، لأن الغاية من الجهاد نصر الإسلام, وإيجاد الإيمان وأهله, وهزيمة الشرك والقضاء على الكفر وأهله.

ولا يخفاك أن للتقديم والتأخير في الكتاب والسنة أثرًا ينبني عليه كثير من الأحكام، كما استدلوا بذكر أعضاء الوضوء مرتبة من الآية على مراعاة الترتيب فيه, وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم [1] : (أبدأ بما بدأ الله) - في الحج، يشير إلى قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} - وكما استدلوا بقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ على تقديم الوسيلة على الغاية, وبقول الله تعالى: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} ؛, على أن القتل في سبيل الله أشرف من الموت في سبيل الله ونحو ذلك, وهكذا هنا قدم قتل الكفار في الجهاد على طلب الشهادة في سبيله؛ تنبيهًا على المقصد الأسنى من الجهاد في سبيل الله، وهو إظهار الدين والإيمان.

-خذوا ما آتيناكم بقوة:

ومنها؛ الاتكال على الغير في تحصيل الواجب والقيام به والتعويلُ في طلب سعادة الأمة ورقي مستقبلها على أبناء جنسه فلا ينحو باللائمة إلا عليهم ولا يفِّوق سهام التقريع إلا إليهم, وكأنه عريٌّ عن التهمة برئٌّ من التقصير, وفي المنقول عن حكمة اليونان: (من لام غيره على ما يطرأ فهو جاهل, ومن لام نفسه دون غيره فقد شرع في الحكمة) .

وحال الأمة يستوجب البكاء بالدمع فعلى كلٍّ أن يعمل على تخليصها من براثن الأعداء, وإنقاذها من هوة الشقاء, وإخراجها من ذل العبودية لغير الله والتبعية لأعداء الدين, فليكن هذا مطمح الأبصار وغاية الأنظار ومرمى الآمال ومقصد الحياة.

كلٌّ له غرضٌ يسعى ليدركَهُ والحرُّ يجعل إدراكَ العُلا غرضًا

-ما لي ولهذا؟!

(1) فيما رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه [3/ 216، ح862] وقال: حديث حسن صحيح, والعمل على هذا، وقال ابن خزيمة في الصحيح: والبدء بالصفا قبل المروة إذ الله عز وجل بدأ بذكر الصفا قبل المروة, وأمر المبيِّن عن الله عز وجل بالبدء بما بدأ الله به في الذكر, وقال ابن عباس لمن سأله: أبدأ بالصفا قبل المروة أو بالمروة قبل الصفا؟ فقال: (خذ ذلك من كتاب الله عز وجل، فإنه أجدر أن يحفظ، قال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فالصفا قبل المروة) [السنن الكبرى للبيهقي: 1/ 85/405] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت