فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 210

ما لا يدرك الكفار شأوه ولا يلحقون ركبه, ناهيك عن كون المسلمين أرقى عقولًا وأصفى فكرًا وأشحذ همةً وأقوى إرادة؛ متى كشفوا عن أعينهم غشاوة التقليد, وتحرروا من رق التبعية, وحطموا أغلال الخمول والكسل.

إن من الأوبئة المشينة والأدواء الدفينة أن يهيئ العدو لحربنا كبار رجاله وأذكياء حكمائه وعباقرة ساسته ودهاة مفكريه، ثم لا نواجه ذلك بمثله, ولا نعمل على تربية العقول, ولا نقابل القلم بالقلم، والعقل بالعقل، والدهاء بالدهاء، والحكمة بالحكمة، والخدعة بالخدعة!

وهل كان ضياع الأندلس واقتلاع جذور الإسلام منها إلا لما أوكلت أمور المسلمين فيها إلى حديثي السن قليلي الخبرة والتجربة، الفقراء إلى الحكمة والتدبير, من أمثال ابن زيدون الشاعر - صاحب ولَّادة - في حين كان يقود عدونا في حربه على الإسلام والمسلمين الدهاةُ من رجال الكنيسة وأمراء القصور! وهكذا سقطت الدولة العثمانية، وهكذا يقع في بلاد المسلمين اليوم!

إن من الأمراض الفتاكة القاتلة؛ أن تمر علينا الأعوام تلو الأعوام ونحن نقارع العدو بسلاح واحد لا نسعى إلى تغييره, وخطة واحدة عقيمة لا نسعى إلى تبديلها, وعقل واحد متحجر لا نسعى إلى ترقيته, وتلحقنا الخسارة تلو الخسارة, ثم لا نجد إلا الحوقلة والاسترجاعـ وتعليق الأمر على التوكل والقضاء:

وإذا أراد اللَّهُ ذُلَّ قبيلةٍ رماها بتشتيت الهوى والتواكل

ومن الأمراض المستعصية المزمنة؛ ترك السعي في إيجاد وتوفير الضروري من أصحاب الخبرات وذوي الكفاءات العلمية والعملية، التي لابد منها ولا غنى للمجاهدين - بل للأمة - عنها, أو أن نترك السعي في تكميل الناقص منها! مع أن هذا من أعمدة الحكمة العملية وأصول السياسة الشرعية.

وعلماؤنا قد وضعوا لذلك جملةً من القواعد:

منها؛ إن كان لا يوجد الأصلح للولاية اختير الأمثل فالأمثل، كل منصب بحسبه.

ومنها؛ إذا لم تتم مصلحة الولاية برجل واحد جمع بين عدد تتحقق بهم المصلحة، إذ لابد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولَّى إذا لم تقع الكفاية بواحد تام, وكذلك في مشاورة أهل العلم والدين وفي إمارة الحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت