فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 210

ويقال؛ إن أصل هذا الفن مقتبس من بعض طوائف المتزهدة من كفرة البراهمة الهنود, فإنهم كانوا يبعثون أتباعهم إلى الكهوف ورؤوس الجبال ويأمرونهم بالتجرد من الثياب والاعتزال هناك بعيدًا عن أعين الناس وأن يردد الواحد منهم يوميًا آلاف المرات: (إن الدنيا حقيرة وعليَّ أن أزهد فيها) ، فلا يلبث حتى تستحيل العبارة المذكورة عقيدة راسخة تسيطر على الإرادة وتقيد المريد.

ثم إن فكرة الاستهواء هذه أصبحت عند الغرب - بعد أبحاث أجريت - وسيلة للسِّلم, كما أضحت أداة للحرب! فهو طب استهوائي يعتمد على"المعالجة بالاستهواء"، كما أن الحرب بالاستهواء.

ولم يكن الغرب أسبق إلى هذا العلم, وإنما مَدُّ بساط الجهالة على ربوع المسلمين وغفلتهم هو الذي حجب بينهم وبينه, وإلا ففي المنقول عند علمائنا الأولين وقادتنا وأطبائنا ما يدل على أنهم عرفوه ومارسوه واستعملوه في شفاء الأمراض الأدبية, والتخلص من رقِّ العادات الدنية, وإصلاح الأخلاق الردية, كما استعملوه في شفاء الأمراض الجسدية.

وقد رأيت في بعض كتب التراجم [1] أن بعض أطباء المسلمين عالج مريضًا كان يتوهم وجود جرَّة من الفخار فوق رأسه؛ بأن أحضره قرب جدار وأمر بجرَّة رميت من أعلاه فتكسرت عند قدمي المريض، وذهب عنه الذي يجد!

واستعملوه في الحرب أيضًا؛ ففي تاريخ دمشق لابن عساكر رحمه الله: أن خالد ابن الوليد رضي الله عنه لما لقي ملوك الروم في اليرموك وسألوه عما جاء به وبالمسلمين، قال لهم: (إنا معشر العرب كنا نتحدث أنه لا شيء أحلى من دماء الروم، فجئنا نقتلكم ونشرب من دمائكم!) ، فقالوا: (هذا الذي كنا نسمع أن العرب يأكلون لحوم البشر ويشربون دماءهم) !

فالمقصود تحذير المسلمين من خطر هذا الداء وآثاره، وحملهم على مقابلته بمثله، فإنه من الإعداد الذي أمر الله به, وعدونا - رد الله كيده في نحره - يجيد استخدام هذا وقد سخَّر له من الآلات والوسائل ما توصل إليه من مرئيِّ الإعلام ومقروءه ومسموعه، واستعان على ذلك بعلماء السوء وأحبار الدراهم والدنانير, وبجهلة المسلمين وغفلة الكثيرين منهم.

فتأمل كيف يرددون على مسامعهم صباح مساء منذ عشرات السنين؛ عبارات الاستهواء كـ"دول العالم الثالث"و"الدول النامية"أو"الدول الفقيرة"و"المتخلفة"و ... و ... إلخ, وفي المقابل؛"الدول العظمى"و"الدول الكبرى"و"الصناعية"و"المتقدمة"ونحو ذلك, ويمسخون قضايا المسلمين لفصلها عن الدين الذي هو روحها وجوهرها وماء حياتها،

(1) لعله في أعيان العصر، للصلاح الصفدي، المتوفي في أوائل النصف الثاني من القرن الثامن الهجري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت