فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 210

فليت شعري؛ هل فقهوا بأي شيء حفظ آباؤهم الأولون ونصروا، حتى يستقيم القياس عند الفطنين الأكياس؟!

ومثل هذا من أسباب سقوط الدول وذهاب الأمم؛ كما وقع في عهد السلطان عبد الحميد - آخر سلاطين الدولة العثمانية - أن جاء أحد الباشوات الترك إلى بعض العلماء فقال للشيخ: (إن الله حفظ دولتنا التركية ستمائة سنة ولم يكن عندنا هذه الآلات الحديثة، فأي حاجة لنا بها؟ الله حافظ دولتنا فلا حاجة إلى أمر جديد!) ، ثم قال: (إن القوم يقرءون"الفتوحات المكية"لمحيي الدين بن عربي ويقولون ما نريد بعد ذلك؟!) .

وقد قيل:"من عرف قدره عرف قدر خصمه, ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره!" [1] .

-التعذر بالاستضعاف:

ومنها - وهو وليد ما قبله وفرخ ما سبقه -؛ ما استقر في كثير من النفوس؛ من أننا ضعفاء لا نملك أمام عدونا حولًا ولا قوةً, وليس لنا إلا الرضا بالأمر الواقع، وأن الشر الذي حل ببلادنا ما له من دون الله من دافع! فترك دفع الصائل, وأفتى به المفتون من كلِّ مغبون ومَفتون, وزعموا أن الجهاد لا يصح إلا بشرط الإمام, كذبًا وافتراءً على الملك العلام, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

-التقيد بأوهام الوحي الغربي الشيطاني:

ومنها؛ الآثار العملية للوحي الغربي الشيطاني، الذي رسَّخ في نفوس أجيال المسلمين الأخيرة والحاضرة؛ أن الغرب مثال الرقي والتقدم والحضارة والتمدن, وهو نبع العلوم وكنز الفهوم ومسرح الفنون والقوة التي لا تقهر, والدولة التي لا تغلب, وأن من عداه هم المتخلفون الرجعيون الهمجيون, الجهال المؤودون في مقابر الجهالة, المتلفعون بأكفان الذلة والمهانة!

واعلم - علَّمني الله وإياك -؛ أن عدونا عدو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يمارس على أمة الإسلام اليوم ما يعرف في علم النفس بـ"الاستهواء"، ومعناه أن توحي إلى من تريد التسلط عليه بفكرة تجعل إرادته تابعة لإرادتك متى استحالت الفكرة المذكورة عقيدة راسخة فيه، وقد قسموه إلى قسمين:"استهواء ذاتي"وآخر"خارجي"؛ فالأول يستهوي فيه الإنسان نفسه, والثاني: يستهوي فيه غيره من الأمراء والجماعات.

(1) رسالة التربيع والتدوير للجاحظ, عن تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيَّات: 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت