وفرّقوا بين من كان حديث عهد بإسلام وغيره، لو قلت له يا فلان: ما هو الحد الفاصل بين المسائل الجلية والمسائل الخفية؟ ولو قلت له: ما هو الحد الفاصل بين أصول الدين وفروعه؟ ولو قلت له: ما هو الحد الفاصل بين المسائل التي يكفر المرء بإنكارها والتي لا يكفر المرء بإنكارها؟ أعطني حدًا فاصلًا كما في كتاب الله -تبارك وتعالى- في كثير من المسائل:"هذا حلال وهذا حرام"، ما هو الحد الفاصل؟ لا يجد على ذلك جوابًا!
لماذا؟ الجواب على ذلك أن أهل العلم -رحمهم الله- لما وضعوا هذه القواعد لم يريدوا بها الحديّة بقدر ما أرادوا بها تنبيه أهل الفتوى وتنبيه المفتي على هذه المسائل وإلى هذه الأمور، وأنها من القواعد التي ينبغي إعمالها والتنبه لها والنظر فيها حين القول بكفر فلان أو فلان، لأنها من المسائل العظام، فكأن الرجل إذا أراد أن يحكم على زيد أنه مسلم أو أنه كافر حين ذلك قالوا له: تنبه، هذه المسألة هل هي من المسائل الخفية أم من المسائل الجلية؟
والجلاء والخفاء نسبي يا عباد الله؛ فما قد يكون جليًا في زمان قد يكون خفيًا في زمان آخر، وما يكون خفيًا في زمان قد يكون جليًا في زمان آخر، وما يكون جليًا عند قوم قد يكون خفيًا عند آخرين، وما يكون جليًا في بلدة قد يكون خفيًا في غيرها. إذن الجلاء والخفاء أمره نسبي، ولا يصح أن يأتي رجل بعد ذلك فيضع حدًا فاصلًا بين الخفاء والجلاء.
بل أنا أزيدك -كما يقولون- من الشعر بيتًا؛ وجدت لبعض أهل العلم -رحمهم الله تبارك وتعالى- لما أتوا فتكلموا عن المعلوم من الدين بالضرورة أو تكلموا عن المتواترات القطعية، والأئمة -رحمهم الله- حين يعرفون المتواتر يقولون:"بأنه ما اجتمع على روايته عدد كبير يستحيل تواطؤهم على الكذب"، ثم يقيدونه بقولهم"عادةً"، وهذه المتواترات منها ما هو متواتر قطعي؛ كالعلم بالمحرمات الظاهرة وغيرها، ومنها المتواتر الاصطلاحي الذي يعنيه الأئمة المحدِّثون حين يقولون في حديث: هذا حديث متواتر.
الذي أعنيه في حديثي هذا الذي أنقله عن بعض أهل العلم هو الكلام عن المتواترات القطعيات، يقولون -رحمهم الله-:"إنّ المتواتر وإنْ كان من القطعيات في الدين لكنه قد يعرِض له ما يكون سببًا لمنع حصول التواتر"، قال بعض الشراح على هذه المقولة: ومن أمثلة ذلك وجود الكفر والظلم المانعين من تبليغ الحق للناس، فالمسألة قد تخفى يا عباد الله على أمة من الأمم بأكملها وإن كانت هي من مسائل الدين والتوحيد لوجود الكفر والظلم اللذان يمنعان من تبليغ كلمة الحق للناس.
فحينما يأتي بعد ذلك رجل وهو يعتقد في مسألة من المسائل أن فعلها مكفر ثم يحكم على أمة من الأمم بأنها أمة كافرة، ينبغي عليه أن ينظر قبل ذلك هل هذه المسألة من المسائل الجلية أم من