فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 210

وجل- في كتابه؛ لأن هذا هو أصل الدين وأصل التوحيد الذي يخرج به العبد من سخط الله -عز وجل- إلى مرضاته، فهذا بيّنٌ واضح وهذا الذي بُعثت به الأنبياء والرسل وبيّنه أئمة الأمة لهذه الأمة على مرِّ العصور وكرّ الدهور، هذا لا إشكال فيه -إن شاء الله تبارك وتعالى-.

لكن الأئمة -رحمهم الله تبارك وتعالى- مع أن هذه المسالة من أوضح المسائل في دين الله -تبارك وتعالى- أتوا إلى جملة من القواعد ووضعوها؛ وذلك لينضبط بها القول في مثل هذه الأمور العظام التي يترتب عليها استحلال الدماء واستحلال الفروج ويترتب عليها مسائل عظيمة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في (الصحيحين) من حديث ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه وأرضاه-: (من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله) ، وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال: (لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم) ؛ لأجل هذا ولعظم هذا الأمر أتى الأئمة -رحمهم الله- فوضعوا قواعد يضبطون بها النظر في مثل هذه المسائل.

فحينما أتوا إلى الحكم على مسألة ما، بأنها من مسائل الكفر قالوا: أولًا لابد أن نفرّق بين الحكم على الفعل وبين الحكم على الفاعل؛ فربما يقولون: هذا الفعل كفر، ولكنهم إذا أتوا إلى الفاعل قالوا: هذا فعل مكفّر ولا نحكم على فاعله بالكفر إلا إذا نظرنا في وجود شروط وانتفاء موانع ليصح تنزيل هذا الحكم عليه، هذه المسألة لا شك أنها من المسائل الطوال وما سأذكره ها هنا هو اختصار، لكن أريد أن أُبيّن به أن الأئمة -رحمهم الله- لماذا وضعوا مثل هذه القواعد؟ فرّقوا أولًا بين الحكم على الفعل وبين الحكم على المعيَّن -الحكم على الفاعل-.

ثم أتوا إلى قواعد أخرى فقالوا: نحن نريد أن نفرّق أيضًا بينما لو وقع الرجل في أصول الدين من المكفرات وما لو وقع في ما هو من فروع الدين. وقالوا: وكذلك نفرق بين ما كان خفيًا من المسائل وما كان جليًا منها، ونفرق كذلك بين من كان حديث عهد بإسلام وبين من لم يكن حديث عهد بإسلام، ونفرق كذلك بين من كان في بلدة نائية بعيدة ومن كان في مظنة العلم ومظنة تحصيله.

هذه المسائل التي ذكرها أهل العلم جاءنا هؤلاء الجهلة فأتوا إلى مسائل رأوا أنهم يعتقدون فيها أنها من المكفرات التي تخرج من الملة، فجعلوا اعتقادهم في هذه المسائل أصولًا؛ فإذا اعتقد هو كفر رجل ما فحين ذلك يقول: كفره من المسائل الجلية، ويبني عليه تكفير المخالف! وكفر فلان أو القول بكفر كذا أو أن طائفة كذا طائفة كافرة هذا من المعلوم في الدين بالضرورة، وجعل اعتقاده وعلمه هو الأصل، جعله هو المعلوم من الدين بالضرورة.

والحق أنك يا عباد الله لو سألته فقلت له: الأئمة -رحمهم الله- لما جعلوا حدًا بين المعلوم من الدين بالضرورة وغيره، بين أصول الدين وفروعه، وجعلوا حدًا فاصلًا بين الجلي والخفي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت