إذًا الفرق هذا إنما هو فرق بين الفقه وبين الأدوات التي يتحصل بها الفقه؛ فطلب العلم والفتوى في دين الله -تبارك وتعالى- لا يكفي فيها المرء أن ينظر في ما صنف أهل العلم -رحمهم الله- من الأقوال والفتاوى، فلو أن رجلًا أو أي إنسان أتى إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- وطالع فتاواه وطالع أقوال الأئمة -رحمهم الله- في مسائل الفقه في الطهارة والصيام والزكاة والحج وأحكام الجهاد وغيرها من الأحكام التي امتلأت بها كتب أهل العلم -رحمهم الله-، لو أن رجلًا طالع هذه الأقوال لكان -وإن علمها- لا يجوز له أن يفتي في كتاب الله -تبارك وتعالى- وفي دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتعلم كيفية الاستدلال؛ حتى يعرف من أين قال أهل العلم رحمهم الله -تبارك وتعالى- هذه القولة.
ولذلك أشار بعض أئمة المالكية لما سئل عن مثل هذا كما في كتاب (المعيار المُعرِب) وهو من كتب المالكية فيه نقل لفتاوى أئمة المالكية وأقوالهم ورسائلهم -رحمهم الله-، لما سئل كما في المجلد الثاني عشر عن الفرق بين طالب العلم وبين من يطالع ومن تكون له أهلية الفتوى في الدين؟ فذكر مثل هذا المقال وذكر أن من أعظم الخطأ الذي يحصل على دين الله -تبارك وتعالى- ويرتكبه أمثال هؤلاء هو أنه إذا نظر في فتوى لرجل من أهل العلم حين ذلك أخذها وجعلها أصلًا وقاس عليها، والحق أنه لا يعرف كيف استند هذا الإمام إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكيف استنبط القول في هذه الفتوى، من أين أخذه وكيف قاله؟
هذا الفهم يا عباد الله، هذا العلم بأصول الاستدلال، العلم بمناهج الاستدلال، العلم بطريقة تحصيل وجه الدلالة من الدليل، هذا هو الذي يسمى بطلب العلم وهذا هو الفرق بين طالب العلم الذي يحقق في أصول هذه المسائل والتي يحقق في وجه تحصيلها من الأدلة حتى يفهم بعد ذلك ويعرف هل ما قاله هذا الإمام صواب أم خطأ.
ولذلك أنت تجد المبتدئ من طالب العلم -وهو مما يؤيد هذا الذي ذكرت- تجده حينما يأتي وهو ما زال لمّا يحصّل بعد وجوه الاستدلال، لم يتعلم بعد الأصول التي يبني عليها الأئمة -رحمهم الله- أقوالهم وفتاواهم؛ حينما يأتي فيقرأ قولًا لأئمة المالكية في مسألة من المسائل تجده يميل إلى قول المالكية ويترجح عنده، فإذا قرأ بعدها قولًا لأئمة الحنابلة يترجح عنده قول الحنابلة ويميل إلى قولهم، فإذا قرأ قولًا لابن حزم وهو من أئمة الظاهرية مال إلى قوله وترجح له قولهم، وهكذا تراه يميل إلى هؤلاء تارة وإلى أولئك تارة، وما السبب في هذا؟
السبب في هذا أنه لم تحصل له بعد مَلَكة العلم، أو لم يحصل له بعد العلم بوجوه الاستدلال، العلم بالأصول التي بنى عليها الأئمة -رحمهم الله تبارك وتعالى- هذه الأقوال.