فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 210

ولا شيء سوى ذلك، بعضه تدريه وبعضه تجهله، فلا عيب على القائل إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلم.

والمرء عليه أن ينظر في هذه المسألة إلى أنه إذا قال شيئًا من ذلك إنما يقوله لأنه يوقِّع عن الله -تبارك وتعالى-، فإذا قلت في أمر الحكم فيه كذا أو قلت في أمر حلال أو حرام، أو قلت في شيء هو واجب أو قلت فيه هو سنة مندوبة، فكل ذلك إنما هو نقل عن كتاب الله وعن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولذا فلا سبيل إلا واحد من اثنين: إما أن يقول المرء بحق في كتاب والله وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو بعد ذلك واحد من اثنتين: فإن اجتهد وأصاب كما في (الصحيحين) في حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه وأرضاه-، فإن اجتهد وأصاب فله أجران؛ أجر اجتهاده وأجر تحريه الإصابة، وإن لم يصب فله أجر واحد متى أخلص نيته لله -تبارك وتعالى-.

لكن إن لم يكن الأمر كذلك فالأمر الثاني، الجهة الثانية هي: أن يأثم إذا لم يعطِ هذا الأمر حقه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

إذًا فلا سبيل سوى هذين: إما أن يجتهد وله أجره عند الله -تبارك وتعالى- وذلك بأن يرجع إلى أصول القول في دين الله -تبارك وتعالى- التي بيّنها الأئمة -وذكرت جملة منها في المرة الماضية-، وإما ن يقول في كتاب الله -تبارك وتعالى- وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بغير علم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث متواتر رواه كما قال أئمتنا ما يزيد عن ستين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم العشرة المبشرون بالجنة.

والقول الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان المراد به أولًا اختلاق القول أي اصطناعه ونسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يقله، لكنه يدخل فيه كذلك أن يقول المرء في حكم ما هذا حلال وهذا حرام وهو لا يستند فيه إلى شيء من كتاب أوسنة، وإذا أردت دليل ذلك فتأمل قول الله -تبارك وتعالى-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} ، ولا شك أن افتراء الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو كافتراء الكذب على الله -تبارك وتعالى- كلاهما سيان.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) ؛ فهما سواء كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقال ربنا -تبارك وتعالى- مبينًا عظم هذا الأمر: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} ، وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسأل أحدهم عن المسألة وهو من كبار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممن عايشه وعاشره فإذا سئل عنها وهو لا يدريها قال:"لا أدري، ولا أعلم"، وإذا أتاه القول وشهد عنده إمام من أئمة الصحابة -رضي الله عنهم- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت