أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد:
فلا شك يا عباد الله أن الله -تبارك وتعالى- قد عظّم العلم وعظم أهله ومنزلتهم، وناهيك في هذا قول النبي -صلوات الله وسلامه عليه-: (من يُرد اللهُ به خيرًا يفقهه في الدين) ، وإذا أحبَّ اللهُ -تبارك وتعالى- عبدًا فقهه في دينه؛ فإن العباد ما خُلقوا إلا لطاعة الله -تبارك وتعالى-، والعبد مأمور أن يكون في كل لحظة من لحظاته وساعة من ساعاته عبدًا لله -عز وجل-، مأمور أن يكون عبدًا يحقق عبوديته بامتثاله أمر الله -تبارك وتعالى- ونهيه، بتحليله ما أحلَّ اللهُ وبتحريمه ما حرَّم اللهُ -تبارك وتعالى-.
إذًا فالفقه في الدين هو أساس حياة العباد وهو أساس سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، ولأجل ذلك فالواجب على من أراد أن يتفقه في الدين أن يجعل مردَّه ومرجعه في ذلك هو كتاب الله -تبارك وتعالى- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز لمسلم كائنًا من كان أن يقول قولة فيها حلال أو حرام إلا وهو يرجع في ذلك إلى ما قاله الله -عز وجل- وقاله رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} قال أئمتنا -رحمهم الله- {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قالوا الجامع للتفاسير في هذه الآية: هو أن العبد لا يتقدم إلى قول أو فعل ولا يعتقد اعتقادًا إلا بعد أن ينظر ما قال الله -تبارك وتعالى- وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولذلك قلت في الخطبة الماضية: أن شأن الفتوى في دين الله -تبارك وتعالى- وأن شأن القول على الله -عز وجل- في دينه بغير مستند فمن كتاب ولا سنه شأن عظيم، شأن كبير، فإن الله -تبارك وتعالى- كما قال ابن القيم -رحمه الله-:"تولى هذا المنصب بنفسه"، وقال -عز وجل-: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} ، وقال تبارك وتعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ، وهذه المسألة أو هذا المنصب تولاه ربنا -تبارك وتعالى-.
وفي كتاب الله -عز وجل- آيات كثيرة تدل على أن العبد إن لم يكن متبعًا لأمر الله وشريعته وكتابه وسنة نبيه فهو لا محالة متبع للباطل. وكذلك صاحب الفتوى المتكلم في دين الله -تبارك وتعالى- إما أن يتكلم فيها بعلم مما علّمه اللهُ -عز وجل- وأن يقف فيها عند حدود الله -تبارك وتعالى- وما لم يدريه فلا حرج أن يقول فيه:"لا أدري"، حتى قال بعض أهل العلم -رحمهم الله تبارك وتعالى-:"إن لا أدري نصف العلم"؛ لأن العلم على قسمين: شيء تدريه، وشيء لا تدريه،