فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 210

وقال أيضًا في"المجموع" [28/ 242] : ( ... ولهذا كان الجهاد سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة، ففيه سنام المحبة كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} ، وفيه سنام التوكل وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل، ولهذا قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ، {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، ولهذا كان الصبر واليقين اللذان هما أصل التوكل يوجبان الإمامة في الدين، كما دل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما:"إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، وفي الجهاد أيضًا حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا، وفيه أيضًا حقيقة الإخلاص ... إلى آخر ما قاله رحمه الله) ."

والمرء ما عاش بحاجة إلى تهذيب أخلاقه والرقي بها من رتبة إلى رتبة، وليس يتم له ذلك في مدة من العمر يستغني بها عما وراء ذلك، حتى قال بعض من سلف حضانة العلم عشرون وحضانة الأخلاق أربعون، ولا أعون له على ذلك بعد الله تعالى من مواطن التمحيص والاختبار وتعويد النفس على تحمل المشاق والأخطار، والاستهانة بالصعاب في طلب المعالي، وبذل كل نفيس لمصافحة النجوم العوالي.

والجهاد - ولله الحمد - أجمع العبادات لهذا كله، وهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرون الأولون سادة الأمة وعصابة الإسلام الذين رُبُّوا على عين النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا ومن معهم من الأنصار رضي الله عنهم لما خرجوا إلى بدر وقع لهم فيها من الدروس والمواعظ والعبر ما لم يقع لهم مثله من قبل، في شأن القافلة أولًا فإنهم أرادوا غير ذات الشوكة وأراد الله تعالى غير ذلك، ثم في شأن الأنفال لما اختلفوا فيه حتى قال قائلهم: (وساءت فيه أخلاقنا!) ، ثم يوم أحد لما كان منهم ما كان، وقال الله عز وجل لهم: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} ! ويوم الخندق لما أشار بعضهم على النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء في المدينة وبعضهم بالخروج إلى العدو، وفي غير ذلك من الوقائع والأيام، والله عز وجل يبين لهم في ذلك كله ويعلمهم ويهديهم، والآيات تتنزل عليه صلوات الله وسلامه عليه فيطهر بها نفوسهم ويهذب أخلاقهم لما أراده بهم من الخير والكرامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت