والمرء إنما يشرف بالعبودية لله تعالى، وما شرف العلم إلا لكونه وسيلةً لعبادة الله عز وجل على الوجه الذي يحب [[1] ]، وها هي ميادين النزال وساحات مصارع الغطارفة الأبطال تشكو إلى الله تعالى نكول الناكلين وندرة العلماء العاملين، وليس يخفى هذا على أحد، وما يوم حليمة بسرٍ - والله المستعان - فمن كان حافزه ومحرِّضه ودافعه إرادة الخير بالأمة فليتقدم ولينظر عند ذلك اقتداء الأمة وأهل الثغور به، وأنا ضامن له - إن شاء الله - أن يجد من ثمار الدعوة إلى الله وإصلاح القلوب وتهذيب النفوس [[2] ]في مدة يسيرة ما لا يحصل له عشر معشاره إن قعد بين الخالفين، فإن عبادة الجهاد من أعون الأسباب له على ذلك، وكم رأينا من شباب المسلمين النافرين ممن صنعهم الله تعالى على عينه وحنكتهم التجارب والأيام وهذبتهم الخطوب والمحن من يصدق فيهم قول القائل:
تناهت علاءً والشباب رداؤها فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب
نعم، وفي بعض القلوب عيون - وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم -
-وكيف لا يكون الجهاد كذلك، وهو عبادة كما قيل:
قد التقى الدين والدنيا بساحتها كما التقى الكُحل في الأجفانِِ والكَحَلُ
قال الإمام العلم الهمام أبو العباس النميري ابن تيمية رحمه الله في"المجموع" [35/ 25] : (ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية الشريفة في الصلاة والجهاد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في عيادة المريض:"اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة وينكأ لك عدوًا" [[3] ]، وقال عليه السلام:"رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" [[4] ]، ولهذا جمع بينهما في مواضع من القرآن) .
(1) وقد قيل:
لو كان للعلم دون التقى شرفٌ ... لكان خيرَ خلقِ الله إبليسُ
(2) في جزء العمر والشيب لابن أبي الدنيا: 1/ 59، عن محمد بن المغيرة قال: لما قدم ابن المبارك طرسوس فرأى هيئة أهلها بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: (بكيت على فناء عمري وضيعته) ، قال: ونظر إلى الباب ذات يوم، والناس يزدحمون عليه فقال: (حُقَّ لهم؛ سرور الأبد من ورائه) .
(3) رواه أبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(4) رواه الترمذي وابن ماجه من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.