وما أحسن ما قال أوس بن حجر في هذا المقام:
إذا الحرب حلت ساحة القوم أخرجت عيوب رجال يعجبونك في الأمن
وللحرب أقوام يحامون دونها وكم قد ترى من ذي رواء ولا يغني
وقد قال ابن القيم رحمه الله في [زاد المهاجر: 1/ 76] بعد كلامه على قول الله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} :(فهذا وأمثاله من الأخلاق التي أدب الله بها رسوله ... وهذا لا يتم إلا بثلاثة أشياء:
أحدها: أن يكون العود طيبًا فإن كانت الطبيعة جافية غليظة يابسة عسُر عليها مزاولة ذلك علمًا وإرادة وعملًا، بخلاف الطبيعة المنقادة اللينة السلسة القياد فإنها مستعدة، إنما تريد الحرث والبذر.
الثاني: أن تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغيِّ والهوى فإن هذه الأمور تنافي الكمال فإن لم تقْوَ النفس على قهرها وإلا لم تزل مغلوبة مقهورة.
الثالث: علم شافٍ بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم والزجاجة والجوهرة؛ فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث وساعده التوفيق فهم النسم الذين سبقت لهم من ربهم الحسنى وتمت لهم العناية)انتهى.
قلت: ومن تأمل عبادة الجهاد وجدها محصلة للثلاثة المذكورة، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وإذا علمت هذا، فقد ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله قاعدة في"الموافقات"يناسب إيرادها ها هنا، وبها نختم هذا الفصل، فقال: (كل تكملة من حيث هي تكملة شرط وهي أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال فإن عاد اعتبارها على الأصل بالإبطال اعتبر الأصل ولا مزيد) .
وتخريج مسألتنا على هذه القاعدة أن يقال؛ إن الجهاد أصلٌ من أصول الشرع إذ به قوام الدنيا والدين، والتربية وتهذيب الأخلاق مكمل له، فإن عاد اعتبار هذا على الجهاد بالإبطال ففي هذا ذهاب الدنيا والدين فوجب اعتبار الجهاد والقيام بفرضه ولا مزيد، وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أحكامًا كثيرة معللة بالمنع من الإفضاء إلى تعطيل الجهاد كما ستراه - إن شاء الله تعالى وبه وحده التوفيق -