وأما قوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [ال عمران: 26] ؛ أي: والشر، كما في قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ؛ أي: والبرد، فحذف الشر للعلم إيثاراً للأدب، ولأن المحل محل رغبة وطلب؛ أي: بيدك الخير الذي نحن بصدد طلبه لا بيد غيرك، فلا يقدر عليه أحد غيرك، فلا يُطلب إلا منك.
وفي"معجم الطبراني الكبير": عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ حَيِيٌ كَرِيْمٌ يَسْتَحْيِي أَنْ يَرْفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا لا خَيْرَ فِيهِمَا، فَإِذَا رَفَعَ أَحَدُكُم يَدَيْهِ فَلْيَقُل: يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ إِذَا رَدَّ يَدَيْهِ فَلْيُفْرِغْ ذلك"
الْخَيْرَ عَلَى وَجْهِهِ"؛ أي: الخير المتوقع حصوله من الله تعالى برفع يديه وطلبه من الله تعالى؛ إذ لا يطلب منه إلا الخير، ولا يتوقع منه إلا الخير."
ففي رد يديه إلى وجهه ومسحه بهما تفاؤل بأن الخير قد أفرغ على وجهه.
ويجوز أن يكون إفراغاً حقيقياً؛ فإن الصادق الصدوق - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الله تعالى يجعل الخير في يدي عبده إذا رفعهما إليه.
وقد وقع في حديث أنس - رضي الله عنه:"إِنَّ ربَّكُم حَيِيٌّ كَرِيْمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَجْعَلَ فِيْهِمَا خَيْرًا". رواه عبد الرزاق، والحاكم وصححه.
وفي حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه:"إِنَّ اللهَ حَيِىٌّ كَرِيْمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِليْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا".
وفي لفظ:"يَسْتَحْيِي أَنْ يَبْسُطَ العَبْدُ إِليْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ".
رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه.
ثم إن كل ما تسأل الله تعالى من نعمة في الدنيا والآخرة، أو دفع بلاء فإنه خير، إلا أنه قد جاءت أحاديث بالتنصيص على طلب الخير بلفظه حتى في كل صباح ومساء.
فروى أبو داود عن أبي مالك الأشجعي - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْن، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ هَذَا اليَوْمِ؛ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ، وَنُوْرَهُ وَبَرَكتَهُ وَهُدَاهُ, وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيْهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ, ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيقُل مِثْلَ ذَلِكَ".
وروى ابن السني في"عمل اليوم والليلة"عن أنس - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهذه الدعوة إذا أصبح وإذا أمسى:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ فُجَاءَةِ الْخَيْرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ فُجاءَةِ الشَرِّ".