فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 218

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(262)}

روى النسائي عن ابن الفراسي: أن الفراسي رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله؟

قال:"لا، وَإِنْ كُنْتَ سائِلاً لا بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحينَ".

قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في"شرح الترمذي":

هل المراد بالصالحين الذين عليهم حقوق أموالهم، ولا يمنعون إعطاء ما عليهم من الحق، وقد لا يعلمون استحقاق المستحق من غيره، فإذا عرفوا بسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم؟

أو المراد: الصالحون الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه حق، فيعطيهم أرباب الأموال لوثوقهم بصلاحهم؟

قال: وقد رأينا جماعة يكون قصدهم قضاء حوائج المحتاجين، وليس لهم أموال؛ يسألون أرباب الأموال لأهل الحاجات، انتهى.

قلت: لا شك أن الوجه الأول أقرب.

وعليه: فلا منافاة بين الصلاح والغنى كما تقدم.

ولكن أقرب منه أن يراد بالصالحين: الذين لا يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] .

بل من هؤلاء من يرون المنة للسائل عليهم، ويسابقون السائل بالعطاء، ولا يقولون له: لا، وكان بعضهم يقول للسائل: اكتب ما تحتاج إليه في مرة أخرى؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذُلَّ السؤال.

ومن شأن هؤلاء البشاشة والصباحة، وإجزال النوال، والسماحة، ولا يعبسون في وجهه، ولا يتبرمون من سؤاله، وهم حِسان الوجوه

الذين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حقهم:"الْتَمِسُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ". رواه تمام في"فوائده"من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وله طرق أخرى، وهذه أحسن الطرق.

وفي بعض ألفاظه:"اطْلُبُوا الْحَوائِجَ وَالْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ".

وفي لفظ آخر:"عِنْدَ صِباحِ الوُجُوهِ".

وقال حسان بن ثابت، أو عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب"قضاء الحوائج"، والعسكري في"الأمثال": من الخفيف

لَقَدْ سَمِعْنا نبَيَّنا قالَ قَولاً ... هُوَ لِمَنْ يَطْلُبُ الْحَوائِجَ راحة

اطْلُبُوا الْخَيْرَ وَالْحَوائِجَ مِمَّنْ ... زَيَّنَ اللهُ وَجْهَهُ بِصَباحَة

وما أحسنَ ما قيل: من مجزوء الكامل المرفل

لِلْخَيْرِ أَهْلٌ لا تَزا ... لُ وُجُوهُهُمْ تَدْعُو إِلَيْهِ

طُوبَى لِمَنْ جَرَتِ الأُمُو ... رُ الصَّالِحاتُ عَلى يَدَيْهِ

(فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَخَمْسونَ)

إذا كان سؤال الدنيا إذا احتيج إليه لا ينبغي أن يكون إلا من الصالحين، فالسؤال عن العلم واستفادته أولى بأن لا يكون إلا من الصالحين.

روى مسلم في مقدمة"الصحيح"عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم.

قال النووي في"شرح المهذب": قالوا: ولا نأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته وسيادته، فقد قال ابن سيرين، ومالك، وخلائق من السلف: هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم.

ثم قال في"آداب المستفتي": يجب عليه قطعاً البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفاً بأهليته؛ فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك، ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلاً للفتوى، انتهى.

وأهل الفتوى من استوفى شروط المفتي التي ذكرها النووي أيضاً، فقال: شرط المفتي كونه مكلفاً، مسلماً، ثقةً، مأموناً، منزهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيهَ النفس، سليمَ الذهن، رزينَ الفكر، صحيحَ التصرف والاستنباط، متيقظاً.

قلت: ومن كان بهذه الصفة فهو من خيار الصالحين وصفوة المفلحين.

قال النووي: واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين.

فظهر بذلك أن قصد الصالحين من العلماء، فالاستفتاء عند الحاجة إليه واجب.

وهل يجب البحث عن الأعلم والأورع إذا كان هناك اثنان فأكثر ممن يستفتى، أو يجوز له استفتاء من شاء منهم؟

وجهان؛ الصحيح: الثاني لأن الجميع أهل.

قال أبو عمرو بن الصلاح: لكن متى اطلع على الأوثق فالأظهر

أنه يلزمه تقليده كما يجب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين.

قال النووي: فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع من العالمين، والأعلم من الورعين؛ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قلد الأعلم على الأصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت