بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي بحمده يحسُن الابتداء، وبشمول رِفْدِه تمتد النفوس إلى الطلب والرجاء، وتَضَرَّعُ القلوب إلى صدق اللجاء، وترتاح الأرواح إلى التنزه في رياض البهاء، والتروي من حياض العطاء في دار البقاء.
سبحانه وتعالى من إله عظيمٍ اختصَّ بإزار العظمة ورِداء الكبرياء، ويا له من ربٍّ حكيم استبدَّ بالخَلق والأمر والفصل والقضاء، وشرع لنا من الدِّيْنِ ما وصَّى به الأنبياء، وأمرنا بالاقتداء بأهل الاهتداء، ونهانا عن التشبه بأهل الضلال والافتراء والجدال والامتراء؛ ثم هو سبحانه يختصُّ برحمته من يشاء.
أحمده أن أرشدنا إلى التخلق بأخلاقه أبلغَ الحمدِ والثناء، وأشكره أن أمدَّنا بإدراراته وأرزاقه أوفى الشكر على أوفر العطاء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثيل، ولا عديل له، الواحدُ، المحيط بالموجودات من سائر الأرجاء؛ شهادةً خالصةً عن شوائب التعطيل والتشبيه والغلو والإرجاء.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيه ونبيه وخليله، قطبُ دائرة الاصطفاء، وحقيقة حقائق النبوة والولاية والاجتباء، المبعوثُ بأخص الأنباء، والمخصوصُ بعموم البعثة والإنباء، صلى الله وسلم عليه وعلى المنتمين من الآل والصحب إليه صلاةً وسلامًا دائمين ما في امت الآلاء، وتوالت النعماء، وتلألأت الأضواء، وتلاحقت الأَنْواء، وامتدت سطور القدرة على طروس المصنوعات من غير انتهاء.
أمّا بعد:
فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير؛ نجمُ الدِّين محمدُ بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغَزِّيُّ العامريُّ الشافعيُّ - ألحقه الله تعالى بأهل الولاء، وحشره في زمرة العلماء:
هذا كتاب كريم تطمئن إليه قلوب الأتقياء، وتنشرح له صدور الفضلاء، وتنبسط به أرواح الأولياء، وتنقبض منه نفوس أهل الآراء الفاسدة والأهواء، ضَمَّنته الأمرَ باتباع مَن ورد الأمر بالاقتداء بهداهم والاقتفاء، والنَّهي عن التشبه بمن ورد الزجر عن اتباع هواهم من أهل الافتراء، وأتبعت ذلك بالكلام على التشبه بالبهائم والسباع، كالهر والعواء؛ ليتنزه الإنسانُ عما لا يليق به من الطباع - كالهُزْء والهراء - إلى مقام الْمُرُوَّةِ والمعرفة والترقي عن مراكز النسر والعواء.
وهو كتاب لم أسبق - فيما أعلم - إلى جمعه وترتيبه، ولم أزاحم على اختراعه وتهذيبه، ولا وجدت من جاء في بابه بمثله ولا على أسلوبه، ذكرت فيه ما ورد في ذلك بحسب الاطلاع على سبيل السبر والاستقراء، ولاحظت فيه مع مراعاة الإيجاز والتقريب طريق الاستيفاء، ولم آلُ جهدًا في تحرير معانيه - كان رَقَتْ - ولا في تنوير مبانيه - وإن انقادت إليه في الزمن اليسير، وحُقَّتْ - وذلك بفضل الله الذي يؤتي فضلَه من يشاء، ويخص مَن شاء بما شاء.
وإني - وإن كنت في نفس الأمر مقصرًا عن مقامات المحققين، وعن صعود هذا القصر - فقد أنجد من رأى حصنًا، وكاد الباسل أن يظفر بهمته باليتيمة العصماء.
وما الباعث لي على الإقدام على مزاحمة الأئمة الأعلام في جمع المؤلفات النافعة والكتب الجامعة، إلا أني شاهدت أن فضل ربي لا يختص بزمان، وأن المبرز في الفضل في علم الله تعالى عند حضور السباق في مضمار الرهان متقدم في حلبة الموفَّقين - وإن تأخر زمنًا -، بذلك قضى أهل الحكمة إلا من كان أجبنَ من صَافر، أو أحمقَ من ربيعة البَكَّاء.
فلا غَرو أقدمت على الركض في ميدان العرفان، ولم أقدم رِجْلًا، وأؤخر أخرى، وقلت: لعمري إن امتطاء الهمم في قطع الأوهام، ومنع الإحجام عن التوصل إلى حظائر القدس؛ أحق من النزول والركود في حضيض الخمول والخمود، لمن يريد حصول الأنس وأحرى.
وخاطبتُ سائلتي عن وجه الحكمة حين وقفت على سابلتي بهذه
الكلمة على طريق الإنشاد والإنشاء: من المتقارب
وَقَائِلَةٍ كَيْفَ نِلْتَ الَّذِيْ ... تَقَاصَرَ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ جَمٌ
فَقُلْتُ دَعِيْنِيْ فَإِنِّيْ امْرُؤٌ ... رَأَيْتُ النَّوَالَ بِقَدْرِ الْهِمَم
فمن كانت همته سعادة الأبد من الله، فنواله من الله رضاه، ومن كانت همته جناح بعوضة أو نواه، فنواله ما نواه؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعاه، ولا ينال فضل الله إلا من ابتغاه، أو من اختاره الله واجتباه، وفرق بين من شكر له سعيه، وبين من خاب مسعاه.
وأقول: من البسيط
يَا هِمَّةَ النَّدْبِ إِنْ جَدَّتْ جِيادُكِ فِيْ ... قَطْعِ الْمُرَادِ وفِيْ تَحْصِيْلِ إِسْعَادِ
أَوْ لا فَيَا ضَيْعَةَ الأَوْقاتِ فِيْ لسَفَرٍ ... مَا نِلْتُ مِنْهُ سِوَىْ كَدِّيْ وَإِجْهادِ
قال الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتاب"الإخلاص والنية": حدثني أبو الحسن الشيباني، قال: قلت لبعض الحكماء: فلان
بعيد الهمة، قال: إذن لا يرضى بمنزلة دون الجنة.
قلت: ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) } [الواقعة: 10 - 12] .
فعلى قدر الهمَّة يكون السَّبق، وعلى قدر السَّبق يكون التقريب عند الله تعالى.
وقال داود الطَّائي رحمه الله تعالى: كل نفس ترد إلى همتها، فمهموم بخير، ومهموم بِشَرٍّ.
وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: إن الأبرار تغلي قلوبُهم بأعمال البر، وإن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله تعالى.
وقال يزيد الرقاشي رحمه الله تعالى: للأبرار هِمَمٌ تبلغهم أعمال البر، وكفى بهمة دعتك إلى خير خيرًا.
روى هذه الآثارَ ابنُ أبي الدنيا رحمه الله تعالى.
وروى غيرُه عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: قيمة كل عامل همتُه.
قال أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى: فمن كانت همته الدنيا فقيمته أقل من جناح بعوضة، ومن كانت همته الله تعالى فإن نبله وشرفه ما له قيمة.
فذلك وأمثاله مما ورد في فضل علو الهمة من كلام أهل المعرفة وأرباب الحكمة هو الباعثُ لي على الكَلَفِ باقتناص أوابد العلوم، وشرائد الفنون منذ كتب عليَّ قلم التكليف، وتوجه إليَّ الخطاب، والحاثُّ لي على التقاط لآلئ الفوائد، وجواهر الفرائد، وقَلْدِها في عقود التأليف على وجه الحق، ونهج الصواب.
وقد قلت: من المنسرح
بَعَثتنِيْ بَواعِثُ الْهِمَم ... فِيْ اقْتِنَاصِ الْعُلُوْمِ وَالْحِكَم
فَتَرَانِي مُنْظِما دُرَرًا ... فِيْ سُمُوطِ الْخُطُوطِ مِنْ كَلِمِ
كُتُبِي كَالسَّمَاءِ حَيْثُ هَدَتْ ... بِالدَّرارِيْ السُّراةَ فِيْ الظُّلَم
وَهِيَ فَضْلٌ مِنَ الْعَظِيْمِ لَقَدْ ... خَصَّنِيْها بِخالِصِ الْكَرَمِ
لَيْسَ فِيْها تَعَمُّل وَلَكَم ... سَابقَ الْفِكْرَ وَالنُّهَىْ قلَمِي
حَبَّذَا مِنْحَةً وَنائِلةً ... مِنْ كَرِيْمٍ يَمُدُّ بِالنِّعَمِ
لَمْ يَزَلْ قائلًا بِلا شَبَهٍ: ... وَاعَطَاءً، وَهَذهِ قُسَمِيْ
ولولا بقايا عليَّ من النفس ما خلت كشوفي بسببها من اللبس، واستجليت مكنونات المعاني جهرًا، واستمليت من أفواه الغيوب حقائق تنطبع في قوالب المباني تِبْرًا، واستملت خواطر القلوب بألحان المعارف لا المعازف، في ألحان الماكث فيه مُطرب العرفان والعاكف، والشادي بإنشاء الإرشاد المربى على إنشاد الحادي، والرداد بآلات المثالث والمثاني حدرًا حدرًا.
وإني - وإن أحطت - ولله الحمد - من علوم أهل الحقائق خبرًا، وأخذت من كمالات النفوس التركية الفوائق نصيبًا وَفْرأ - فإني لأقولن:
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا، ويسرْ لي من أمري عسرًا؛ فإنه لا غنى لي عن فضلك، ولا رِيَّ لقلبي كان توالت أوراد جودك عليه وبَذْلك.
ولو توهمتُ الرِّي يوما من الأيام من مناهلك، لاستغفرتك من الرَّيْنِ والغين، حتى أتحقق بالزين والعين من فضائلك وفواضلك.
وأقول: من الرجز
أَسْتَمْطِرُ الْجُوْدَ وإِنِّيْ فِيْ حَرَقْ ... وإِنْ يَصِحْ غَيْرِيَ مِنْ خَوْفِ الْغَرَقْ
يا رَبِّ سَرْمِدْ لِي النَّدَىْ فَإِنَّنَيْ ... أَشْفَقْتُ أَنْ أَهْلِكَ مِنْ فَرْطِ الْفَرَقْ
أَسْتَغْفِرُ اللهَ إِذا ما أَشْرَقَتْ ... شَمْسٌ عَلَىْ قَلْبِي وَمِنْ بَعْدِ الشَّرَقْ
هذا ولقد سميت كتابي هذا:
حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ
وقسمته - بين فاتحته، وخاتمته، وفي كَنف مقدمته، ولاحقته - إلى قسمين، وجعلته على ضربين:
* القسم الأول: فيمن ورد الأمر بالتشبه بهم، والاقتداء بهداهم، وهديهم.
* والقسم الثاني: فيمن ورد النهي عن التشبه بهم، واتباع طرقهم.