فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 218

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ(13)}

روى الإمام أحمد في"الزهد"عن عمير بن حبيب بن حماسة - وكانت له صحبة - رضي الله تعالى عنه: أنّه أوصى بنيه فقال: يا بني! إياكم ومجالسةَ السفهاء؛ فإن مجالستهم داء، إنَّ من حلم على السفيه يسره بحلمه، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر النَّاس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطّن نفسه على الصبر على الأذى، وليوقِنْ بالثواب من الله - عزَّ وَجَلَّ -؛ فإن من يثق بالثواب من الله تعالى لا يجد مسِّ الأذى.

ثمّ اعلم أن السفه شجرة مددها الحمق، ولذلك حجر على السفيه.

ويرى السفيه الحق باطلًا، والقبيح حسنًا، والإحسان والنصيحة إساءة وغشًا، والصديق عدوًا، والنافع ضارًا، والضار نافعًا، والخير شرًا. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: يا هؤلاء! إنَّ الكلب إذا طرح إليه الذهب والفضة لم يعرفهما، وإذا طرح عليه العظم أكب عليه، كذلك سفهاؤكم لا يعرفون الحق. رواه الإمام أحمد في"الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم.

قال مالك بن دينار أيضًا: لولا سفهاؤكم للبست لباسًا لا يراني محزون إِلَّا بكى. رواه أبو نعيم.

وفيه تأييد لالتزام العالم زي العلماء، وكل واحد من أهل صناعة زيهم لئلا يجترئ السفهاء على ذوي المروءات؛ وهو نفيس.

وإذا كان زي السفهاء قبيحًا بالعلّماء، فتخلُّق العلماء بأخلاق السفهاء أقبح.

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إذا كان نهاري نهار سفيه، وليلي ليل جاهل، فما أصنع بالعلم الّذي كتبت؟ رواه ابن الجوزي في"صفة الصفوة".

وأشقى السفهاء من يسمي سفهه عقلًا، وجهله علمًا، ويستكمل رأي نفسه في ذلك، ويرى أن العقلاء والفضلاء والعلماء سفهاء لأنّه قد دلس على نفسه بما يروج سوقه، ولا يستحسن رأيه عند أهل النُّبل والكمال، ولو طمع أنّه يخفى عليهم، فلا ولله لا يخفى على الله تعالى حقيقة أمره، بل الله تعالى يهتك ستره، ويوضح للناس أمره، ألَّا ترى المنافقين حين أطلقوا اسم السفه على الصّحابة رضي الله تعالى عنهم كيف قلب الله لقبهم عليهم، ووسمهم بالاسم الّذي سمُّوهم به، فقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] ؟

فانظر كيف رد الله عليهم هذا اللقب حين لقبوا به المؤمنين إذ قالوا: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13] ؟

وقولُه - سبحانه - الحقُّ إشارة إلى أن من أعرض عن الدَّليل، ثمّ نسبه المتمسك به إلى السفاهة، فهو السفيه حقيقة، ومن باع آخرته بدنياه فهو السفيه، ومن عادى محمدًا فقد عادى الله، ومن عادى الله فهو السفيه المستوجب لذمه، المستحق لعقوبته.

ولله در الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه حيث يقول: من تزين بباطل فلا بد أن ينهتك ستره.

وقال العلّامة الجد رضي الله تعالى عنه: من السريع

قُولُوا لِمَنْ بَهْرَجَ فِي عُمْرِهِ ... بِالعِلْمِ إِذْ ضاقَ بِهِ الْمَخْرَجُ

يا صاحِبَ التَّمْوِيهِ بَيْنَ الوَرَى ... لا بُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ البَهْرَجُ

واعلم أنّه قد جرت عادة الله تعالى في كلّ ذي رأي أن يستحسن رأيه ويفخر كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] .

وأنشد الحاكم بإسناده إلى الربيع قال: سمعت الشّافعيّ - رضي الله عنه - يقول: من الوافر

وَمَنْزِلَةُ السَّفِيهِ مِنَ الفَقِيهِ ... كَمَنْزِلَةِ الفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ

فَهَذا زاهِدٌ فِي عِلْمِ هَذا ... وَهَذا فِيهِ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ

إِذا غَلَبَ الشَّقاءُ عَلى سَفِيهٍ ... تَنَطَّعَ فِي مُخالَفَةِ الفَقِيهِ

وهذه أعظم المُهْلِكات الّتي أشار إليها النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة الخشنيِّ رضي الله تعالى عنه:"مُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وَهَوىً مُتَّبَعًا، وَدُنْيا مُؤْثَرةٌ، وإِعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْي بِرَأَيْهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدعَ العَوامَّ"الحديث. رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه.

ونص النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر رواه الطبراني وغيره: أن هذه الأمور مهلكات.

وقال الدينوري في"المجالسة": أنشدنا محمّد بن عبد العزيز لموسى بن سعيد بن عبد الرّحمن المقنع الأنصاري: من الطويل

ثَلاثُ خِلالٍ كُلُّها غَيْرُ طائِلِ ... يَطُفْنَ بِقَلْبِ الْمَرْءِ دُونَ غَشائِهِ

هَوى النَّفْسِ ما لا خَيْرَ فِيهِ وَشُحُّها ... وإِعْجابُ ذِي الرَّأْيِ السَّفِيهِ بِرَأْيِهِ

ولا يكون الإعجاب بالرأي مهلكًا إِلَّا إذا كان مخالفًا للحق، وهو الرأي السفيه، وإذا وافق الرأي الحق فلا يضره الإعجاب به من حيث إنّه حق، بل من حيث إنّه منسوب إليه.

والإعجاب بالرأي من هذه الحيثية هو الغالب على النَّاس، ولذلك جاء ذم الإعجاب بالرأي في الحديث مطلقًا، فالعالم العامل والفقيه الخاشع مهما أعجبه ما هو عليه من حيث إنّه حق مأمور به مع التبرؤ من الحول والقوة ليستحث نفسه على طلب الزيادة منه عملًا بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، وليبعث غيره على الاقتداء به ليفوز بالنجاة والنجاح، فإن ذلك دليل الخير والسعادة.

ومن هذا القبيل: ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنّه قال: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إِلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.

وروي نظير ذلك عن علي، ومعاوية، وسعيد بن المسيَّب، وغيرهم.

وأمّا السفيه فإنّه مهما أعجب بنفسه وسفَهِهِ ودعا النَّاس إلى مثل عمله، وصرف فكره وفطنته في تقبيح حال العلماء الكُمَّل، ومخالفتهم في القول أو الرأي أو العمل، فذلك دليل شقاوته كما أشار إليه الشّافعيّ رحمه الله تعالى.

ومن ثمّ لا ينبغي أن يقر السفيه على ما يصنعه مخالفاَّ للسنة، ولا يُحَسَّن له رأي ولا عمل، بل ولا تقبل له هدية؛ فإن قبول هدية المرء دليل المحبة والرضا عنه كما قال حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى: إياكم وهدايا الفجار والسفهاء؛ فإنكم إن قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم. رواه ابن جهضم.

بل ينبغي نهيه، وزجره، ومنعه.

(فصل)

ومن لطائف الإمام فخر الدين الرازي في"تفسيره"قال: إنَّ الله تعالى قال في موضع: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، وقال في موضع آخر: {هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185] ، وهذا يقتضي أنَّ الناس هم المتقون، فمَنْ ليس من المتقين فليس من الناس، انتهى.

وفي الأمثال: يا نفس هوني، وعلى ما كانت الناس كوني.

ووقع لأخي شيخ الإسلام العارف شهاب الدين أحمد الغزي: أنه سأل بعض العارفين من أهل عصره عن هذا المثل؛ فإنَّ ظاهره الإرشاد إلى موافقة الناس فيما هم فيه من خيرٍ أو شر، وهو مشكل.

فقال له العارف: ليس المراد بالناس في المثل مَنْ نراهم، بل المراد بالناس أبو بكر، وعمر، وأمثالهما.

يُشير إلى قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13] .

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: أي: صدقوا كما صدق أصحاب محمد. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.

وفي"تاريخ ابن عساكر"- بسندٍ ضعيف - عن ابن عباس أيضاً في

قوله: {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13]

قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.

وروى الخطابي في"الغريب"عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: أنه كان عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلمَّا قام من عنده قال: إذا ذهب هذا وضرباؤه لم يبقَ من الناس إلا رجاجة.

قال الخطابي: الرجاج: صغار الإبل، وحواشيها، فشبه صغار الناس، ومَنْ لا طائل عنده بها. انتهى.

وقد سبق أنَّ الرجاج مهازيل الغنم، والضعفاء من الناس والإبل.

قلت: وفيه إشارة إلى غلبة الجهل والوهن على الناس بعد عصر الصحابة والتابعين، وكلما تأخر العصر كان الجهل في أهله أكثر، وكلما كثر الجهل استوى الناس فيه، فلا ينكر بعضهم على بعض، ولهذا قلَّ في هذه الأزمنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً كما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وفي حديث:"لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا تَفَاضَلُوْا فيْ الْعِلْمِ والتنافُسِ فيْ طَلَبِ الفَضَائِلِ؛ فَإِذَا اسْتَوَوْا فيْ الجَهْلِ وَاتِّبَاعِ الهَوَىْ هَلَكُوْا، وَلا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَىْ بَعْضٍ".

وفي المعنى قلت: من مجزوء الخفيف

عَمَّمَ الْجَهْلُ وَالْهَوى ... فَالوَرى فِي الْهَوى سَوا

فَلِذا لا تَرى فَتًى ... مُنْكِراً غَيَّ مَنْ غَوى

آهٍ آهٍ لِما جَرى ... فَلِمَنْ نَشْتَكِي الْجَوى

فَاجْتَنِبْ كُلَّ ما تَرى ... مِنْ ضَلالٍ وَمِنْ هَوى

لِتَنَالَ الرِّضى إِذا ... باءَ ذُو الْجَهْلِ بِالنَّوى

ولأبي الأسود الدؤلي من قصيدته المشهورة"ذوات الأمثال": من الكامل

وَالنَّاسُ قَدْ صارُوا بَهائِمَ كُلُّهُمْ ... وَمَعَ البَهائِمِ فاتِكٌ وَزَعِيمُ

صُمٌّ وَبُكْمٌ لَيْسَ يُرْجَى نَفْعُهُمْ ... وَزَعِيمُهُمْ فِي النَّائِباتِ مَلُومُ

وروى الإمام عبد الله بن المبارك في"الزهد"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَخْرُجُ فيْ آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتَلِسُوْنَ الدُّنْيَا بِالدِّيْنِ، يَلْبَسُوْنَ لِلنَّاسِ جُلُوْدَ الضَّأنِ مِنَ اللبنِ، ألسِنتهُمْ أَحْلَىْ مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الذِّئَابِ، يَقُوْلُ اللهُ تَعَالىْ: أَفَبِيْ يَغْتَرُّوْنَ، أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُوْنَ؟ لأَبْعَثَنَّ عَلَىْ أُوْلَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيْمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ".

وروى الطبراني في"الأوسط"عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَأْتي زَمَانٌ عَلَىْ النَّاسِ هُمْ ذِئَابٌ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذِئْبًا أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ".

وفي رواية تقدمت:"فَمَنْ لمَ يَكُنْ لَهُ ذِئْبٌ أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ".

وليس المراد إرشاد الإنسان إلى التذاؤب، بل هو من باب المشاكلة؛ أي: مَنْ لم يُخفْ الناس بجرأته وبتوعِيْدهم بعقوبته، طَمِعُوا في ظلمه واستهانوا به.

ونظيره قول ابن دريد:

مَنْ ظَلَمَ النَّاسَ تَحامَوْا ظُلْمَهُ ... وَعَزَّ عَنْهُمْ جانِباهُ وَاحْتَمَى

وروى الخطابي عن ابن أبي ليلى قال: سيأتي على الناس زمانٌ يقال له: زمان الذئاب، فمَنْ لم يكن في ذلك الزمان كلباً أكلوه.

قال قتيبة بن سعيد: وهو هذا الزمان.

قلت: إذا كان قتيبة - وهو من شيوخ البخاري ومسلم - قد نزَّل الحديث على أهل زمانه، فكيف بأهل زماننا؟ وقد مضى بعد زمان قتيبة نحو ثمان مئة عام.

وفي هذا المعنى يقول القائل:

وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَقْرباً يَتَّقِي ... سَعَتْ بَيْنَ أَثْوابِهِ العَقْرَبُ

وليس في ذلك كله رخصة في الظلم والعدوان والأذية، ولكن من باب المشاكلة.

والمراد أن يكون للرجل قوة وشوكة يدفع بها ظلم الجبارين عنه؛ فافهم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت