أي: وسبيل المؤمنين؛ على حد قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ؛ أي: والبرد.
وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ} [الأنعام: 55] متعلق بفعل محذوف تقديره: وفعلنا ذلك لتستبين.
وقيل: هو معطوف على محذوف تقديره: ليظهر الحق، ولتستبين سبيل المجرمين؛ أي: وسبيل المؤمنين، كما عرفت.
أو يقال: إذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين بطريق اللزوم.
وفي الاقتصار على ذكر استبانة سبيل المجرمين مع أن استبانة سبيل المؤمنين أمر مقصود - أيضا -، إشارة إلى الاهتمام باستبانة سبيل المجرمين أكثر من استبانة سبيل المؤمنين؛ لأن تجنب المحظور أعظم، وأشد من فعل المأمور به؛ إذ للنفس وَلَع بما منعت منه، فاجتنابه أشد عليها من فعل ما أمرت به، ومن ثَمَّ جاء في الحديث:"اتَّقِ الْمَحارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ".
وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} هو في قراءة أبي جعفر، ونافع بالتاء المثناة فوق، وفتح اللام من (سبيل) - على خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب كذلك، إلا أنهم ضموا اللام على إسناد الفعل إلى (سبيل) مع تأنيثه.
وقرأ الباقون بالياء المثناة تحت، وضم اللام على تذكير السبيل، وهما وجهان جاريان في كلام العرب.
ومعنى الآية - والله سبحانه وتعالى أعلم: أننا نفصل الآيات في كتابنا العزيز لتستظهر، أو ليظهر لك يا محمد سبيل المؤمنين، فتتبعها أنت وأمتك، وسبيل المجرمين، فتتجنبها أنت وأمتك.
ويوضح هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) } [الأنعام: 56] .
أي: لا أتبع أهواءكم، ولا أسلك سبيلكم؛ لأني إن فعلت ذلك، وقد تبينت لي الآيات، واستبنت بها سبيل المجرمين الذين أنتم منهم = فأنا ضال حينئذ، وما أنا من المهتدين الذين استَبَنْتُ أحوالهَم وسبلَهم
بما تبين لي من سبيل المجرمين وأحوالهم؛ لأنها على الضد من أحوالهم.
وقال الله تعالى بعد ذلك: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} [الأنعام: 57] الآية.
أي: إني على يقين تبين لي من ربي، وحجة واضحة، ودليل قوي ينتهي بي إلى الحق، ويسلك بي الصراط المستقيم، لا على هوى وابتداع، فكيف أتبع سبيلكم، وقد علمت أنها كلها أهواء بما تبين لي من الآيات التي استبنت بها طريق كل فريق، وعرفت بها أحوال أهل الخذلان، وأحوال أهل التوفيق؟
قال القرطبي: وفي معنى هذه الآية ما أنشده مصعب بن عبد الله ابن الزبير لنفسه - وكان شاعراً محسناً:
أأقْعُدُ بَعْدَما رَجَفَتْ عِظَامِيْ
إلى آخر الأبيات الآتية.
قلت: بل هذه الأبيات أنشدها مصعب متمثلاً، ولم ينشدها لنفسه فيما أخرجه اللالكائي في كتاب"السنة"عن مصعب - يعني: الزبيري رحمه الله تعالى - قال: ناظرني إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال: لا أقول كذا؛ يعني: في القرآن، فناظرته، فقال: لم أقل على الشك، ولكن أسكت كما سكت القوم قبلي، قال: فأنشدته هذا الشعر، فأعجبه، وكتبه، قال: وهو شعر قيل من"أكثر من عشرين سنة: من الوافر"
أَأَقْعُدُ بَعْدَما رَجَفَتْ عِظَامِيْ ... وَكانَ الْمَوْتُ أَقْرَبَ مَا يَلِيْنيْ
أُجادِلُ كُلَّ مُعْتَرِضٍ خَصِيْمٍ ... فَأَجْعَلُ دِيْنَهُ غَرَضاً لِدِيْنيْ
وَأترُكُ ما عَلِمْتُ لِرَأْيِ غَيْرِيْ ... وَلَيْسَ الرَّأْيُ كَالْعِلْمِ الْيَقِيْنِ
وَمَا أَناَ وَالْخُصُوْمَةُ وَهْيَ لَبْسٌ ... تُصَرِّفُ فِيْ الشّمالِ وَفِيْ الْيَمِيْنِ
وَقَدْ سُنَّتْ لَنَا سُنَن قِوام ... يَلِجْنَ بِكُلِّ فَجٍّ أَوْ وَجِيْنِ
وَكانَ الْحَقُّ لَيْسَ بِهِ خَفاءٌ ... أَغَرَّ كَغُرَّةِ الْفَلَقِ الْمُبِيْنِ
وَما عِوَضٌ لَنا مِنْهاجُ جَهْمٍ ... بِمِنْهاجِ ابْنِ آمِنَةَ الأَمِيْنِ
فَأَمَّا ما عَلِمْتُ فَقَدْ كَفانِيْ ... وَأَمَّا ما جَهِلْتُ فَجَنِّبوْنيْ
فَلَسْتُ بِمُكْفِرٍ أَحَداً يُصِلِّيْ ... وَلَمْ أَجْرِمْكُمُ أَنْ تُكْفِرُوْنيْ
وَكُنَّا إِخْوَة نَرْمِيْ جَمِيْعَاً ... وَنَرْمِيْ كُلَّ مُرْتابٍ ظَنِيْنِ
فَما بَرِحَ التَّكَلُّفُ أَنْ تَشاءَتْ ... بِشَأنٍ واحِدٍ فِرَقُ الشُّؤُوْنِ
فَأَوْشَكَ أَنْ يَخِرَّ عِمَادُ بَيتٍ ... وَينْقَطِعَ الْقَرِيْنُ مِنَ الْقَرِيْنِ
وهذه الأبيات أتم مما ذكره القرطبي في"تفسيره"، وهي فائدة
زائدة أحببت أن لا يخلو كتابي منها لأنها لا تكاد تعدو مطالبه ومقاصده.