فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 218

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(222)}

الإنسان لا ينبغي له أن يسُب شيئاً من مخلوقات الله تعالى إلا من حيث أُذِنَ له في السب؛ فإنَّ العبد مهما طالع صنع الله تعالى في مخلوقاته بعين الرضا، واعتبار الحكمة في خلقها ظهرت له من كل مصنوع كل مليحة؛ فإن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه فائدة؛ ألا ترى أنه خلق إبليس وابتلى النَّاس بعداوته، وابتلاه بإغواء الإنسان حتى يجاهده الإنسان ويُخالفه فيُثابُ ويؤجر، ولولا ابتلى الله آدم بإبليس حتى وقعت منه الزلة لم يظهر آدم عليه السلام بالتوبة التي هي أول مقامات الأولياء، والوسيلة إلى محبة الله تعالى؛ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .

فإن أطاع الإنسان الشيطان ولم يجاهده ظهرت حجة الله تعالى عليه.

وكذلك خلق الله تعالى العصاة لتظهر حجة الله تعالى عليهم ليكونوا عبرة لأهل الطاعة.

وكذلك خلق القردة والخنازير والأباعر ليظهر فضله عليك في أن خلقك إنسانا ولم يخلقك كذلك فيزداد شكرك، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

إذا رأى القرد خَرَّ ساجدًا. رواه ابن عدي، والحاكم، والبيهقي من حديث جابر رضي الله تعالى عنه.

وكنت في مجلس فاغتابوا رجلاً، ووصفوه بأوصاف هي فيه من الشِّره والشَّره، والهَلَع والجشع، والظلم والبغي، وغير ذلك، وأنا ساكت أتألم بما يتكلمون به، ولم أجد للإنكار عليهم مساغاً حتى قال لي بعض أهل المجلس: ما تقول فيه أنت؟

فقلت: أقول فيه: إنه من كمال الكون، وجمال الوجود.

فقيل لي في ذلك، وتعجَّبوا أن يكون كما ذكرت وهم يعرفون منه كل قبيحة.

فقلت: يا سبحان الله! ألستم تستقبحون هذه الأمور وتستبشعون منه هذه الأخلاق؟

قالوا: بلى.

قلت: فإذا كنتم تستقبحونها فإنكم لا تتصفون بها، فاتصاف هذا المذكور بهذه الأوصاف القبيحة كان لظهور قبحها لكم حتى تنزهتم عنها، فهو من كمال الكون بهذا الاعتبار.

وأيضًا فإن مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - البرغوث بقوله:"نِعْمَ الدَّابّهُ"مُعللاً

لمدحه بأنه أيقظهم للصلاة من باب تعويد الألسنة خيراً وتنزيهها عن عادة الشر.

كما روى ابن أبي الدُّنيا في"الصمت"عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: مرَّ بعيسى بن مريم عليهما السلام خنزير، فقال: مُرْ بسلام.

فقيل: يا روح الله! لهذا الخنزير تقول؟

قال: أكره أن أعوِّد لساني الشر.

وروى هو والطبراني بإسناد حسن، عن أسود بن أصرم الحاربي رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! أوصني.

قال:"أتمْلِكُ يَدَكَ؟".

قلت: فما أملك إن لم أملك يدي؟

قال:"أتمْلِكُ لِسَانَكَ؟".

قال: فما أملك إن لم أملك لساني؟

قال:"لا تَبْسُطْ يَدَكَ إِلاَّ إِلَىْ خَيْرٍ، وَلا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلاَّ مَعْرُوْفًا".

وقال الشاعر: من البسيط

عَوّدْ لِسانكَ قَوْلَ الْخَيْرِ وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدْتَ يَعْتادُ

وقال بعضهم: من السريع

لا تَشْتُمِ البُرْغُوثَ إِنَّ اسْمَهُ ... بِرٌّ وَغَوْث لَكَ لَوْ تَدْرِي

فَبِرُّهُ مَصُّ دَمٍ فاسِدٍ ... وَغَوْثُهُ الإِيْقاظُ لِلْفَجْرِ

وأيضًا: فإن في قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكرت البراغيث:"إِنَّهَا تُوْقِظُ لِلصَّلاةِ"، وقوله:"لا تَسُبُّوْهَا؛ فَإِنَّهَا أَيْقَظَتْكُمْ لِذِكْرِ اللهِ"إشارة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعليم منه لنا أنَّا إذا أردنا ذكر مخلوق بصفة مستكرهة وله صفة مستحسنة، فذِكْرُه بالصفة المستحسنة أولى لأن ذكر المحاسن لا يضر، بخلاف ذكر المثالب.

ومن هذا القبيل ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنهما عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مرَّ عيسى عليه السَّلام والحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا! فقال عيسى عليه السلام: ما أشد بياضَ أسنانه؛ يعظهم وينهاهم عن الغيبة.

وقلت في هذا المعنى: من السريع

إِنْ تَلْفَ مَخْلُوقاً لَهُ سَيِّئٌ ... مِنْ عَمَلٍ لَكِنْ لَهُ صالِحُ

فَامْحُ بِما يَصْلُحْ ما لَيْسَ بِالصَّـ ... ـــالِح، نِعْمَ الرَّجُلُ الْمادحُ

فَذِكْرُكَ الصَّالِحَ ما ضَرَّ ما ... يَضُرُّ ذِكْرُ الطَّالِحِ

القادِح لِسانَكَ اجْعَلْ قالَهُ الْخَيْرَ مِن ... عادَتِهِ، أَنْتَ إِذاً رابحُ

عَذْبٌ فُراتٌ قَوْلُكَ الْخَيْرَ وَالـ ... ـملحَ الَّذِي قَدْ قالَه الْمالِحُ

إِنَّ مَقالَ السُّوْء لا يَنْبَغِي ... حَتَّى وَلَوْ جاءَ بِه مازِحُ

والمالح في البيت: المغتاب.

قال في"القاموس": مَلَحَه - كمنعه: اغتابه، وفيه تورية.

تقول العوام: فلان مالح؛ يعنون به أنه خارج عن القبول، مستثقل به، ولا يُغبط بوجوده.

وأيضًا فإن ذم البرغوث وغيره من المخلوقات المستبشعة عادةً كالقرد، والكلب ربما أدى بالعبد إلى السخرية، والطعن في الخلقة، وقد قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] .

وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو سَخِرْتَ من كلب خشيت أن كون كلباً. رواه الإمام عبد الله بن المبارك في"الزهد".

وقد أفضى الاسترسال في استقباح الأمور وتعييبها بعض المبتدعة إلى الكفر الصراح، ونسبة الذات العلية إلى الظلم في القضية.

وحُكي أن بعض هؤلاء الضلال كان في بستان، فنظر إلى شجرة الجوز وارتفاعها وكبرها، وإلى صغر ثمرها، وإلى شجرة اليقطين وانطراحها وكبر ثمارها، فقال: لو كانت هذه الثمرة على هذه الشجرة، وهذه الثمرة على هذه الشجرة كان أقرب إلى العدل!

فجاء طائر فقطع واحدة من ثمر الجوز فسقطت على جبهته فآلمته، فقيل له: تأدب؛ فلو كانت هذه الجوزة في مقدار القرعة أو البطيخة كانت قتلتك.

فقال: نعم.

وروى الإمام أحمد، والبخاري في"الأدب المفرد"، والترمذي، وأبو يعلى، والطَّبراني في"الكبير"، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، والبيهقي في"الشعب"عنه، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيْءِ".

وسمع بعض العلماء ولده يقول لكلب يُضايق أباه في الطريق: إخسأ يا كلب!

فقال له: لا تقل ذلك؛ فإنه من خلق الله تعالى.

فقال له: إنه أليس كلباً؟

قال: نعم، ولكنك أخرجت كلامك مخرج الذم.

وأما ما رواه ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لدغَتْ النبي - صلى الله عليه وسلم - عقرب وهو في الصلاة، فقال:"لَعَنَ اللهُ الْعَقْرَبَ؛ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًّا وَلا غَيْرَ المُصَلِّيَ، اقتلُوْهَا فِيْ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ".

وروى أبو نعيم في"الطب"عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لدغت النبي - صلى الله عليه وسلم - عقرب وهو يصلي فقال:"لَعَنَكِ اللهُ؛ لا تَدَعِيْنَ نبَيًّا وَلا غَيْرَهُ"، ثم دعا بماء وملح ورَشه عليها.

فإن سبب لعنه للعقرب تعرضها له في الصلاة باللدغ لتشغله عنها، فقد لعنها معللاً للعنها بقيد ما علل به النهي عن سبِّ الديك والبرغوث وإن كان فيه ما يدعو إلى سبه من القرص؛ فإنَّ قرصه لطيف لا يؤثر أكثر من إيقاظ النائم للصَّلاة، فحسنته تُذهب سيئته بخلاف العقرب، والحية، والكلب العقور، والحدأة، والغراب الأبقع، والفأرة، وهي الفواسق؛ فإنها متمحضة للإيذاء، فلذلك تُقتل في الحل والحرم، ويقتلها المحرم والحلال.

ومن هنا ساغ سبُّها كما يسوغ سب الكفار والظلمة لتمحضهم للشر والأذية، وإنما لم يَجُزْ لعن كافر بعينه ولا ظالم بعينه إلا أن يموت على الكفر لأن خاتمته مُغَيَّبة عنا.

والذي تلخص لنا: أن ما يتمحض للأذية والشر من الحيوانات

كالعقرب، والزنبور يجوز لعنه، وما لا يؤذي كالنمل، والشاة، أو لا تتمحض للأذية كالبرغوث، أو ما نفعه أكثر من ضرره كالدابة الشموس، فلا ينبغي أن تُلعن أو تُسب، ومن ثم نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لعن الدابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت